بين المقاومة والخنوع..!
المهندس مهدي حسين الزبيدي ||

الخنوع والاستسلام لا يصنعان وطناً، ولا يحفظان سلطةً، ولا يضمنان ثروةً، فالتاريخ مليء بمن امتلكوا المال والنفوذ ثم سقطوا عندما باعوا أوطانهم وارتهنوا للخارج.
لقد حكم نظام البعث العراق لعقود طويلة بالنار والحديد، صادر الحريات، وقتل المعارضين، وفرض سلطة الحزب الواحد على شعبٍ عظيم. فهبَّ آلاف المؤمنين والأحرار لمواجهة ذلك الطغيان، وضحوا بأعمارهم ودمائهم من أجل عراق حر يمتلك قراره وسيادته ودوره الحقيقي في الأمة.
لكن الولايات المتحدة، التي صنعت هذا النظام وحمته لسنوات، أدركت أن سقوطه قد يفتح الباب أمام قيام قوة وطنية مؤمنة تمتلك مشروعاً سيادياً مستقلاً، يستلهم مشروع الشهيد السيد محمد باقر الصدر (رضوان الله عليه) في بناء عراقٍ موحدٍ عادلٍ، تُصان فيه كرامة الإنسان وتُحفظ سيادة الدولة وتُسخّر ثرواته لخدمة شعبه وأمته، فبادرت إلى احتلال العراق والسيطرة على مقدراته، وزرعت الفتن والانقسامات، وحولت البلد من دولة ذات قرار إلى ساحة موزعة بين الأحزاب والمكونات والمصالح المتصارعة، حتى أصبح العراق بلا إرادة سياسية حقيقية.
ومع مرور الزمن، صُنعت طبقة سياسية هزيلة لا تمتلك مشروع دولة، بل مشروع سلطة ومال، وتم تهميش الشخصيات الوطنية الشريفة ومحاربتها بكل الوسائل. ولم يقتصر الأمر على السياسيين والإعلام، بل جرى تشكيل جيل كامل صنعه الاحتلال عبر منصات التواصل والمد الإعلامي الموجه، جيل اندفع كثير من شبابه ــ عن جهل أو قلة وعي أو غياب الشعور بالمسؤولية ــ إلى مهاجمة كل صوت وطني شريف، والتشكيك بكل شخصية نظيفة، حتى أصبح بعضهم أداة بيد الحملات المنظمة التي تستهدف إفراغ الساحة من الشرفاء وأصحاب المواقف.
لقد نجح الإعلام الموجه في تحويل الشتيمة والتسقيط إلى ثقافة عند البعض، حتى صار الوطني متهماً، وصاحب المبدأ محارباً، والانتهازي بطلاً، بينما غُيبت مفاهيم السيادة والكرامة والمقاومة من عقول الكثيرين.
والأخطر من ذلك، أن بعض من كانوا يتحدثون بالأمس عن الجهاد والمقاومة ومقارعة الاحتلال، وبعد أن غرقوا في السلطة والمال والنفوذ، وصلوا اليوم إلى مرحلة خطيرة من التراجع والانكسار، حتى باتوا مستعدين لتسليم عناصر القوة التي امتلكوها استجابةً للإرادة الأمريكية، حفاظاً على مكاسبهم وثرواتهم وكراسيهم. وهؤلاء لم يتعلموا من التاريخ أن من يسلم قوته يسلم رقبته، وأن من يتنازل عن سيادته مرة لن يستعيدها بسهولة.
إن المشكلة ليست في اتخاذ قرار عراقي نابع من مصلحة العراق، بل في أن القرار أصبح يُصاغ خارج الحدود، بينما يُطلب من القوى السياسية التنفيذ فقط، وهذه هي الكارثة الحقيقية؛ أن يتحول الوطن إلى ساحة لإدارة الآخرين.
لكن المنطقة مقبلة على تحولات كبرى، والأيام حبلى بالأحداث، وكل مشاريع الهيمنة والاستسلام إلى زوال مهما طال الزمن. أما الذين تربوا في أحضان السفارات، وظنوا أن المال والسلطة سيحميانهم، فسيدركون أن الشعوب لا تحفظ إلا من صان كرامتها وسيادتها.
ويبقى الأمل بالشباب المؤمن الواعي، الحسيني الرسالي، الذي يميز بين الحق والباطل، وبين الوطني والمتخاذل، ويؤمن أن الأوطان لا تُبنى بالخنوع، بل بالعزة والموقف والسيادة.
(ولينصرنَّ اللهُ من ينصره).




