♦️ومضة عن السياسة في عهد جواد (ع)..!
■ الشيخ محمد الربيعي ||

إنّ هذا العظيم الامام محمد الجواد ( عليه السلام ) ، هو مظهر المقاومة وعلامتها. إنسانٌ عظيمٌ أمضى كلّ عمره القصير في مواجهة ومعارضة السّلطة المزوّرة والمرائيّة للخليفة العبّاسيّ المأمون، ولم يتراجع خطوةً واحدةً، وتحمّل الظروف الصّعبة جميعها وجاهد بكلّ الأساليب الجهاديّة الممكنة،
وكان أوّل من أشاد بنيان بحث الحرّية بصورةٍ علنيّة، وكان يُباحث العلماء والدعاة والمدّعين ومختلقي الأعذار في محضر المأمون العبّاسيّ بشأن أدقّ القضايا، ويستدلّ ويثبت أفضليّته وحقّانيّة كلامه. إنّ بحث الحرّيّة هو من تراثنا الإسلاميّ، وقد راج هذا البحث في زمان أئمّة الهدى، وقد تطرّق الإمام الجواد عليه السلام، هذا الإمام الجليل، إليه في زمانه، وتعرّض له بصورةٍ صافية ونقيّة.
إنّ الإمام الجواد عليه السلام، وكغيره من المعصومين، هو قدوةٌ وأسوةٌ ونموذجٌ لنا، وإنّ الحياة القصيرة لهذا العبد الصالح لله، انقضت بالجهاد ضدّ الكفر والطّغيان. وقد أضحى في موقع قيادة الأمّة الإسلاميّة في حداثة عمره، وقد جاهد مجاهدةً مركّزة ضدّ العدوّ في هذه السّنوات القصيرة،
حيث إنّه كان ما زال في مقتبل عمره، في عمر الـ 25 سنة، عندما لم يعد أعداء الله يتحمّلون وجوده، فقتلوه بالسمّ واستُهشد. ومِثْلُ الأئمّة الأطهار عليهم السلام الّذي أضاف كلّ واحدٍ منهم بجهاده صفحةً على تاريخ الإسلام المليء بالمفاخر، فإنّ هذا الإمام العظيم قد أضاف بعمله إلى الإسلام دعامة مهمّة من الجهاد الشّامل، وقدّم لنا درسًا عظيمًا، وذاك الدّرس العظيم هو أنّه عندما نكون في مواجهة القوى المنافقة والمرائية، يجب أن نسعى جهدنا من أجل أن نستنهض وعي النّاس لمواجهة هذه القوى. فلو أنّ العدوّ يُظهِر عداءه بنحوٍ صريحٍ وعلنيّ، ولا يرائي، فإنّ التّعامل معه أسهل.
ولكن عندما يكون العدوّ كالمأمون العبّاسيّ الّذي يتظاهر بالقداسة والدّفاع عن الإسلام، فإنّ التعرّف عليه سيكون صعبًا بالنّسبة للنّاس. كان المتسلّطون، في عصرنا هذا، وفي جميع عصور التاريخ، يسعون دائمًا للتوسّل بالحيلة والرّياء والنّفاق عندما يعجزون عن مواجهة النّاس وجهاً لوجه… وقد بذل الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام والإمام الجواد عليه السلام الهمّة من أجل كشف قناع التزوير والرّياء هذا، عن وجه المأمون، ونجحوا في ذلك.
محل الشاهد :
إن معلوماتنا التاريخية عن حياة الإمام الجواد عليه السلام قليلة، والسبب في ذلك يعود إلى المضايقات السياسية التي كان ينتج عنها إخفاء الأخبار المتعلقة بالأئمة عليهم السلام ليكونوا في مأمنٍ يقيهم شر الأعداء.
والسبب الآخر عدم استمرار حياة الإمام عليه السلام طويلاً، حتى يمكن الحصول على أخبار بشأنها.
وفي الوقت ذاته فإن الدولة العباسية كان السر في نجاحها وانطلاقها في بداية الأمر هو ربطها بأهل البيت عليهم السلام، حيث تحكم العباسيون، وتسلطوا على الأمة بدعوى القربى النسبية من الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وطلب حق آل البيت عليهم السلام تحت شعار الرضا لآل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن هنا فإنه من الطبيعي أن يكون الخطر الحقيقي الذي يهدد العباسيين وخلافتهم هو من العلويين الذين كانوا أقوى منهم حجةً، وأقرب منهم منزلة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
أما المأمون العباسي فقد واجه تحديات كبيرة وخطيرة كانت تهدد كيان حكمه وتعصف به، وكان بقاؤه في السلطة يحتاج إلى الكثير من الدهاء والمناورات، لأنه كان يواجه:
1- تحرك الشيعة العنيف ضده، وثورة أبي السرايا التي عمت الكثير من الحواضر الإسلامية.
2- تكتل العائلة العباسية ضده ووقوفها إلى جانب الأمين.
3- وجود المخاطر الخارجية من جانب الدول المتربصة بالدولة الإسلامية (كالدولة البيزنطية).
وأمام هذه التحديات قام المأمون بالأمور التالية:
1- تصفيته لتحرك أخيه الأمين والقوى المتحركة القوية ضده.
2- القيام بلعبة تولية الإمام الرضا عليه السلام لولاية العهد بالإكراه ليصور للأمة أنه مع القيادة الشرعية.
3- محاربة وتصفية ثورات العلويين.
4- التصفية الجسدية للإمام الرضا عليه السلام.
التوجه لبغداد للقضاء على معارضة البيت العباسي.
إشاعة فتنة خلق القرآن لإشغال الناس بها عما يهمهم.
التوجه لمحاربة الدولة البيزنطية ودفع خطرها.
أما الأمة الإسلامية فلا شك أنها كانت تؤيد قيادة أهل البيت عليهم السلام. وكل الوقائع التاريخية والشواهد تؤيد ذلك، ومن أهمها اضطرار السلطة العباسية للدخول فيما دخلت فيه من تولية الإمام الرضا عليه السلام لولاية العهد والإيحاء بتحويل الخلافة من العباسيين إلى أهل البيت عليهم السلام.
ولكن هذا التأييد لقيادة أهل البيت عليهم السلام كان ضمن ثلاثة مستويات، وهي:
عموم الأمة التي أصبحت مؤمنة بقيادة أهل البيت عليهم السلام، دون ارتباطها بهم برباط عميق من الوعي.
المعارضون للدولة الذين يعتمدون الكفاح المسلح لإسقاطها وإقامة الحكم الشرعي.
المؤمنون الذين وعوا القيادة الشرعية وهم أصحاب الإمام الرضا عليه السلام وأنصاره.
هذه هي أهم ملامح الوضع السياسي في مطلع عصر الإمام الجواد عليه السلام.




