السبت - 29 اغسطس 2026
منذ 4 أشهر
السبت - 29 اغسطس 2026

محمد صادق الهاشمي ||
مركز العراق للدراسات
10-5-2026

 

 

 

 

إيضاحُ العنوان
المقصودُ مِنَ الحربِ هو استمرارُ الهدنةِ والحصارِ على إيران، والمقصودُ مِنَ اللّاحربِ أي عدمُ استعمالِ الحربِ العسكريةِ بعنوانِها الواضحِ مِن استعمالِ القصفِ بالطائراتِ والصواريخِ وغيرها.
التحليل :
المعطياتُ تُشير بأنَّ القرارَ الأمريكيَّ اتّجه إلى سيناريو أدواتٍ أقلَّ كلفةً مِن الحربِ العسكرية، وهي: (الحربُ المفتوحةُ مِن خلالِ الهدنةِ مع الحصارِ وبعضِ المحاولاتِ العسكريةِ المحدودة)، ومِن هنا يمكنُ أن يُقال إنَّ العملياتِ العسكريةَ الأمريكيةَ بعنوانِها العسكريِّ أصبحت بعيدةً نوعًا ما، وبقي آخرُ الخياراتِ بيدها هو هدنةُ – حربٍ مفتوحةٍ- مع الحصار. والأسبابُ هي:
١ – قرَّرتْ أمريكا أن تستمرَّ في آلياتٍ متعددةٍ للحربِ (اقتصاديةٍ وأمنيةٍ وغيرها) وليس العسكريةِ المحضة، لأنَّها أدركتْ بنحوٍ عمليٍّ أنَّ الحربَ العسكريةَ لا تنفعُ في تحقيقِ الأهدافِ الأمريكيةِ – الإسرائيليةِ أمامَ صمودِ إيران، فضلًا عن أكلاف الحربِ العسكريةِ العاليةِ عليها اقتصاديًّا وسياسيًّا، لذا لجأتْ إلى الحصارِ التجاري.
٢- ارتفع داخلَ أمريكا صوتٌ كبيرٌ يرفضُ الحربَ بالعنوانِ العسكريِّ والعملياتيّ، لذا اتّخذَ ترامب خيارَ الحربِ غيرِ المكلفةِ في الأفرادِ حتى يُخفّفَ حجمَ الاعتراضِ الداخليِّ مع إبقاءِ بابِ الحربِ مفتوحًا بنحوٍ أمنيٍّ وتجاريٍّ واقتصاديٍّ مضافا انه لايمكنه استخدام القواعد الخليجية بعد الان للرفض من البعض الخليجي ولتدمير ايران القواعد الامريكية .
٣- اللوبي الصهيونيُّ يرى ضرورةَ الضغطِ على ترامب لحملهِ على قرارِ الاستمرارِ في الحربِ بالممكن، لأنَّ فرصةَ إسرائيلَ في تحقيقِ أهدافِها تتعلقُ بوجودِ ترامب في الحكم، وقطعًا لا يمكنُ لإسرائيلَ إقناعُ أيِّ إدارةٍ أمريكيةٍ بالحربِ لاحقًا، سيَّما أنَّ اللوبي الصهيونيَّ الآن تمكَّن أن يُورطَ إدارةَ ترامب وحكومتَه في الحرب، وقطعًا مِن البعيدِ أن يتمكنَ اللوبي الصهيونيُّ أن يُورطَ الإداراتِ اللاحقة، خصوصًا بعد خروجِ نتنياهو وترامب مِن الحكم. ومن هنا لايمكن لامريكا ان تستجيب لمطالب الكيان الا بقدر محدود .
٤- أمريكا مقبلةٌ على انتخاباتٍ قريبة، وترامب يرى حتميةَ سقوطِه ما لم يُحققْ أحدَ أهدافِه في تلك الحرب، سيَّما أنَّ المعارضةَ داخل امريكا له ليست مِن الديمقراطيين وحدَهم، بل حتى مِن الجمهوريين ومن أفرادِ حكومتِه، وعلى رأسِهم مساعدُه ((فانس))، خصوصًا بعد الاستقالاتِ الواسعةِ مِن فريقِه العسكري، وعليه يحاولُ ترامب أن يتخذَ آلياتٍ في الحربِ أقلَّ كلفةً لعلَّها تُحققُ الهدفَ وتحفظُ ماءَ وجهِه وتنقذُه مِن حربٍ عبثيةٍ أمامَ الصينِ والروسِ وأوربا والداخلِ الأمريكي.
٥- العملياتُ العسكريةُ بكلِّ أنواعِها كلَّفتْ أمريكا سمعتَها واقتصادَها، وعزلتِ الإدارةَ الأمريكيةَ عن المحيطِ الجيوسياسيِّ الأوربي فلاجدوى منها وانه بحال بعد اشهر الا ان يحاول فك الحصار بالحصار مع انه يخنق نفسه بيده .
٦- الإدارةُ الأمريكيةُ لم تتمكنْ أن تضعَ حدًّا للحربِ وأن ترسمَ النهاياتِ لها وتلك من شروط اي حرب امريكية والا تتكرر عقدة فيتنام ، وعليه فهي حربٌ في نهاياتِها خارجَ السيطرةِ الأمريكيةِ وحتى الإيرانيةِ مع عاملِ تكافؤِ القوة، علمًا أنَّ ترامب محاصرٌ بالدستورِ الأمريكيِّ ومُحدداته، لذا حتى يتجاوزَ ترامب كلَّ العقباتِ والتحديات، وحتى لا تقعَ أمريكا في حربٍ مفتوحةٍ استنزافية مع احتمال دخول الصين على الخط مع ايران كمااشارات التصريحات من الامريكان ، يحاولُ ترامب أن يسلكَ مسلكَ ((الحربِ واللّاحرب)) بأقلِّ الأكلافِ ابتغاءَ تحقيقِ الأهداف، مع أنَّ إدارةَ ترامب لم تُحققْ شيئًا ملموسًا منذُ شهرين، بل وجدتْ أنَّ الإدارةَ الإيرانيةَ متماسكةٌ ومقتدرةٌ عسكريًّا وسياسيًّا وأمنيًّا، وتمتلكُ رصيدًا شعبيًّا تعبويًّا وقيادةً سياسيةً موحدةً.
٧ – أمريكا حسبَ المتابعةِ تُجري مفاوضاتٍ مع إيران، لكنَّ أمريكا هذه المرة اختارتْ أن تكونَ المفاوضاتُ مع ايران تحتَ الحربِ المفتوحةِ (حرب عسكرية ثم هدنةٍ وحصارٍ بحريٍّ) لدفعِ إيرانَ إلى التنازل، وإن كانتِ التقاريرُ الأمريكيةُ والغربيةُ لا تُؤشرُ أيَّ ضوءٍ لنهاياتِ النفق، وأنَّ إيرانَ ما زالتْ مُصرةً على رؤيتِها وشروطِها التي لا تختلفُ في المفاوضاتِ في الحربِ والسلام. وقبل وبعد واثناء الحرب .
٨- أمريكا لم يبقَ أمامَها إلا تمديد الهدنة والحصارُ على إيران، وهو سلاحٌ ذو حدَّين، وإنَّ مؤشراتِ أثرِه على أمريكا أكثرُ مِن أثرِه على إيران بفارقٍ كبير وكمثال ان اسعار القود في ايران لم تتاثر على العكس من امريكا ، لكنَّ هذا الحصار لا يمكنُ أن يُركعَ إيران، ولا يمكنُ أن تُعلنَ هي الفشل، فلا بدَّ مِن خيارِ الهدنةِ المفتوحةِ مع ضغطِ الحصار، حتى وإن لم يكنْ ذا نفعٍ كبير، مع أنَّه لا يخلو مِن ضررٍ على الجميع مع ان جغرافية ايران وتشابك علاقاتها يمكنها من الافلات من الحصار .
٩- السببُ في لجوءِ أمريكا إلى سيناريو الهدنةِ والحصارِ واضح، لأنَّها جرَّبتْ كلَّ خياراتِ ومخططاتِ الحربِ وفشلت، ولم يتبقَّ لحفظِ ماءِ وجهِ الإدارةِ الأمريكيةِ مِن السقوطِ امام الخصم الداخليِّ والخارجيِّ ( أوربا والروسِ والصينِ) إلا الحصار، فإنَّها تُحاصرُ إيران وتُحاصرُ العالم وتُحاصرُبنفس الوقت الاقتصادَ الأمريكي، لأنَّه سلاحٌ غيرُ مُنتجٍ إلى الآن، ولكنَّها تمسكتْ به كخيارٍمجبرة عليه وهو أفضلَ مِن إعلانِها الفشلَ والخسارةَ أمامَ الصين.
١٠- لجوءُ أمريكا إلى حالةِ الحربِ واللّاحربِ واستعمالِ أدواتِ الحصار يمكنُ أن يُقال إنَّه خيارٌ فُرضَ عليها يئسا من نجاح اي خيار وهو اخر مالديها قبل اعلان الفشل ان تمكنت ايران من الافلات وهي تتمكن من خلال ورقة هرمز، مع أنَّ امريكا تعلمُ أنَّه إن لم يكنْ فاشلًا بقدرٍ ما فإنَّه قطعًا سلاحٌ ذو حدَّين، ويلامسُ سيفُ الحصارِ البحريِّ نحورَ الأمريكيين قبلَ إيران، لكنَّها اضطرتْ إليه بعد أن فشلتْ كلُّ السيناريوهاتِ الأمريكيةِ عسكريًّا خلالَ (70) يومًا، وهي:
أولًا – خيارُ اغتيالِ القيادةِ وعلى راسهم الامام الخامنئي لأجلِ تفكيكِ الدولةِ الإيرانيةِ سياسيًّا وعسكريًّا، علمًا أنَّ القيادةَ الإيرانيةَ انتخبتِ القيادةَ خلالَ ستةِ أيام وبهذا فشل خيار سقوط الدولة من خلال تفكك القيادة بل لم تتماسك ايران وتتجد يوما كما اتحدت ابان الحرب .
ثانيًا – خيارُ تحريكِ الشارعِ الإيرانيِّ ضدَّ النظامِ السياسيِّ الإيراني، والنتيجةُ عكسية، فإنَّ ملايينَ الإيرانيين يحرسونَ الشوارع منذ اندلاع الحرب الى الان ، بينما الشارعُ الأمريكيُّ غاضبٌ ويعكسُ غضبَه تظاهرُ الملايينِ مِن الأمريكيين ضدَّ قرارِ الحرب.
ثالثًا – حاولتْ أمريكا أن تُحركَ الأقلياتِ وفشلت، هذا فضلًا عن قتلِ واغتيالِ القياداتِ لإضعافِ القدراتِ العسكرية، ولكنَّها وجدتْ أنَّ إيرانَ تُقاتلُ في الجيلِ الثاني والثالث كما تُقاتلُ وتقودُ في الجيلِ الأول.
رابعًا – مارستِ امريكا المزيدَ مِن الضرباتِ والاغتيالاتِ خلالَ تلك الفترةِ ونجحت في اغتيالهم الا انها فشلت في ثني القيادة الايرانية عن الحرب .
خامسًا – مارستِ التهديدَ للضغطِ والتأثيرِ على تماسكِ القيادةِ الإيرانيةِ بأن تقومَ بضربِ الطاقةِ في إيران أو (تمحوَ إيرانَ مِن الخريطة)، واستمرَّ التهديدُ الأمريكيُّ بمُددٍ متعددةٍ ابتغاءَ الضغطِ وفشل.
سادسًا – حاولتْ امريكا تشكيلَ تحالفٍ دوليٍّ مِن خلالِ إقناعِ الصينِ وأوربا في فتحِ مضيقِ هرمز وفشلت.
سابعًا – مارستْ خيارَ الإنزالِ في كهيلوية وفشلت.
ومِن هنا تكون النتيجة الواقعية ليس أمامَ أمريكا إلّا خيارُ الحربِ واللّاحربِ مِن خلالِ حصارٍ غيرِ معلومِ النتائجِ لها، فإنَّ إيران حسبَ التقاريرِ وضعتْ خطةَ تكييفِ القدراتِ العسكريةِ والاقتصاديةِ لحربٍ طويلة، وبهذا تبدو إيرانُ باردةَ الأعصابِ كونَها دولةً تماسكتْ ومنعتِ العدوَّ مِن تحقيقِ أهدافِه، بل انتقلتْ إلى مرحلةِ أن تفرضَ على ترامب رؤيتَها التفاوضية، وامتلكتْ إيرانُ ورقةَ الضغطِ الخانقةِ لأنفاسِ أمريكا الاقتصادية، وهو مضيقُ هرمز الذي أصبحَ عجزُ أمريكا عن فتحِه علامةً مميزةً على الفشل، لكنَّ إيرانَ لا تُبالغُ في الحربِ ولا تتراجعُ عنه وهي الاخرى تعاني ، مع تقديمِ رؤيةٍ ممكنةٍ لحلِّ الملفِّ النووي، بينما تبدو أمريكا عالقةً في الحربِ وفاشلةً في كلِّ الخيارات، فضلًا عن الضغطِ الدستوريِّ والتمويليِّ الداخليِّ، ونذيرُ الانتخاباتِ الأمريكيةِ يُهددُ مستقبلَ ترامب.
والنتيجة :
١- إنَّ أمريكا فشلتْ في الحربِ العسكريةِ المحضة، وبالمقابل يمكنُ اعتبارُ إيرانَ انتصرتْ في إفشالِ أهدافِ العدوانِ الأمريكي.
٢- ليس أمامَ أمريكا بعد أن استعملتْ كلَّ الخياراتِ والسيناريوهاتِ إلا الاستمرارُ في الهدنةِ والحصار، وهو مُكلفٌ لها.
٣- أمريكا في طريقِها إلى الانكسار، وسيظهرُ عالمٌ جديدٌ تكونُ فيه إيرانُ دولةً محوريةً.
4- عمل الزمن مدمر لامريكا بينما تستفيد منه ايران .
5- متغيرات كثيرة ظهرت في المسرح الدولي والاقليمي واوراق ضغط جديدة لايران تجلت وتحالفات دولية بين امريكا واوربا والخيج تبعثرت وعلاقات تقطعت ودول انتفعت كالصين والروس واخرى تضررت كالخليج فما بعد الحرب ليس كما قبله ويحق القول ان ايران جرعت الكل كاس السم بعد اناراد المخطط الامريك ان تتجرعه وحدها .