الخميس - 18 يونيو 2026

المقاومة الثقافية.. الطائفة المهاجرة ..الشرفاء الرُحًل..!

منذ 3 أشهر
الخميس - 18 يونيو 2026

د. نسيب حطيط ||

منذ احتلال فلسطين عام 1948 ، مُنعت الطائفة الشيعية في جنوب لبنان من الحصول على الإقامة الدائمة ،سبب القصف الاسرائيلي وتقاعس الدولة وتقصيرها، وفُرض على اهل الجنوب التهجير الدوري، إما التهجير الكامل خلال اجتياحات أعوام 78 و 82 و 2006 2024و 2026) أو التهجير الجزئي خلال عمليات “عناقيد الغضب”.

واخواتها والنزوح الداخلي في القرى للإختباء في البيوت الآمنة من القصف المدفعي بالتزامن مع اختراق الطائرات الاسرائلية لجدار الصوت المرعب والذي ترك توقيعه تشققات في كل بيوت الجنوب.

سُحبت الإقامة الدائمة من الشيعة في الجنوب وأُرهقوا بالقصف عندما تنازلت الدولة اللبنانية عن الجنوب تنفيذًا لـ”أمر عربي” لصالح المقاومة الفلسطينية المسلحة، بعد أن طردها العرب من جميع المعابر، ولم يتبق لها سوى بوابة الجنوب للوصول إلى فلسطين وصارت بيوت الجنوب وأهله جسر عبور للمقاومة الفلسطينية نحو فلسطين.

دفع الجنوبيون ثمن ذلك عقودًا من الاستشهاد وتدمير المنازل والمزروعات، والتهجير والتنقل المستمر، حتى صاروا (الشرفاء الرحل) يهاجرون في صحراء الاستسلام والذل العربي، يفرون بدينهم وكرامتهم وأطفالهم من القصف والحصار والغدر، طلبا لرضا الله سبحانه.

يبقى الجنوبي حاملاً بطاقات هويته وجواز سفره وأوراقه الثبوتية، وبعض ثياب وادويته وفي بعض المرات لا يستطيع حملها لأن الطائرات والإنذارات لا تسمح له إلا بدقائق معدودات فينْشغل بحمل أطفاله الرضَّع ومرضاه وصوت أجهزة التلفاز والهاتف تصرخ … اتجهوا شمالاً.

ايها المعاتب او الحاقد او الخصم ..!
هل تعرف معنى أن تبقى حقائبك في سيارتك أو في مدخل البيت لسنوات تنتظر صوت الغارة والقصف لتتمكن خلال دقائق من الخروج من البيت؟

هل عشت مشاعر أن تبني بيتك وتفرح به وعندما ينتهي بناؤه تهاجمك الاسئلة الصامتة كم سيصمد هذا البيت أمام التوحش والقصف الصهيوني؟

هل جربت وأنت تعلق صورة فرح أو صور الأحبة الراحلين كم ستبقى الصورة على الحائط أم كم سيبقى الحائط او هل ستبقى انت؟

هل عشت الصراع وأنت تغرس شجرة أو وردة تحبها وتحدث نفسك: هل سأبقى حياً لآكل ثمرها أو أقطفها أو أشم عطرها، أو أن القصف سيحرقها ويقطعها؟

هل عشت ساعات القلق وأنت تفتش عن أفراد عائلتك الكبرى والصغرى وعن أصدقائك ورفاقك الذين تفرقوا وتشتتوا على قرى لبنان، وفي مرات سابقة على كل دول العالم؟

يولد الشيعي على آهات مجلس العزاء الحسيني، ويفتتح بيته بمجلس عزاء حسيني، ويقاتل وهو يلطم صدره ويردد( لبيك… يا حسين)، ثم يموت وهو يستشهد فتقام عن روحه مجالس العزاء الحسيني، ويبقى الجنوبي، سواء كان ملتزماً دينياً أو علمانياً، ساكناً ومقيماً في كربلاء… وكربلاء ساكنة فيه، ولذا لن يحصل على الإقامة الدائمة في الدنيا لأنه صاحب مبدأ وعقيدة وشرف.

لكنه يعطي جنسية الطائفة المهاجرة …لكل طالب لجوء للشرف والكرامة …