الرحمن الرحيم..!
أمين السكافي ||

حين نتأمل في اسمي الله الأعظمين الرحمن الرحيم، ندرك أن الرحمة ليست صفة عابرة في الذات الإلهية، بل هي جوهر العلاقة بين الخالق وعباده، وهي الأصل الذي قامت عليه معادلة الوجود كلّها. فالله سبحانه وتعالى لم يخلق الإنسان ليعذّبه، ولم يقدّر عليه الآلام ليشقى، بل أوجده ليعرفه، ويعبده، ويغمره بفيض رحمته التي وسعت كل شيء. ولو شاء الله أن يعامل خلقه بعدله المحض، لهلكوا جميعًا، ولكن رحمته سبقت غضبه، وكانت هي القانون الأعلى الذي يحكم علاقة السماء بالأرض.
إن الله لا يبحث عن هلاك عباده، بل يفرح بتوبتهم، ويفتح لهم أبواب الرجوع مهما عظمت ذنوبهم، ومهما تراكمت خطاياهم. بل إن توبة العبد، ولو بعد طول ضلال، أحب إلى الله من استقامته التي لم يسبقها انكسار، لأن في التوبة صدق العودة، وحرقة الندم، ودمعة الخشية. هكذا يريد الله لعباده أن يكونوا: منكسرين بين يديه، معترفين بضعفهم، راجين عفوه، لا قانطين من رحمته.
ومن أبلغ الشواهد على هذه الرحمة الإلهية ما قصّه القرآن الكريم في قصة نبي الله موسى عليه السلام مع فرعون. وفرعون لم يكن مجرد حاكم ظالم، بل كان نموذجًا للطغيان المطلق؛ ادّعى الألوهية، واستعبد الناس، وسفك الدماء، وأفسد في الأرض بلا حدود. ومع ذلك، حين بعث الله موسى وأخاه هارون إليه، قال لهما: «اذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى». أي رحمة هذه التي تأمر نبيين كريمين بأن يخاطبا أعتى طاغية في التاريخ بلين ورقة، رجاء أن يتذكر أو يخشى؟ إن هذا الخطاب الإلهي يكشف أن الله، حتى مع أكثر الناس فسادًا، لا يغلق باب الهداية، ولا يسحب خيط الأمل الأخير.
فإذا كان هذا تعامل الله مع فرعون، الذي بلغ في الطغيان ما لم يبلغه بشر، فكيف ببقية البشر؟ كيف بمن أذنب ثم ندم؟ كيف بمن زلّ ثم استغفر؟ وكيف بمن غلبته شهوته أو ضعفه ثم عاد منكسر القلب؟ إن رحمة الله أوسع من كل خطيئة، وأكبر من كل ذنب، وأعمق من كل جرح روحي.
ولعلّ من أعمق ما ورد في بيان سعة هذه الرحمة الحديث القدسي الذي يذكر أن لله رحمةً يمدّ لها إبليس عنقه يوم القيامة. وإبليس هو رمز العصيان الأكبر، والموعود بجهنم، ومع ذلك فإن سعة الرحمة الإلهية تبلغ حدًّا يجعل حتى إبليس يطمع فيها. إنها رسالة كونية تقول: لا تيأس، مهما بلغت ظلماتك، فإن في الأفق نورًا لا ينطفئ.
الرحمة الإلهية ليست مجرد عفو عن الذنب، بل هي تربية للنفس، وبناء للإنسان، واحتضان لضعفه. إنها التي تعيد التوازن إلى القلب حين ينهكه الذنب، وتمنح الروح فرصة جديدة لتولد من جديد. ومن عرف الله رحمنًا رحيمًا، عاش مطمئنًا، لا يأس يسكنه، ولا قنوط يحاصره، بل أمل دائم، وسعي صادق، وخشية محبّة.
وهكذا، يبقى اسم الرحمن الرحيم جسر النجاة بين الأرض والسماء، وباب الرجاء المفتوح في وجه كل تائب، ونور الطريق لكل حائر، وعزاء كل من أثقلته الخطايا. فمن طرق هذا الباب بصدق، لم يُردّ خائبًا أبدًا




