العراق بين أستحقاق السيادة ومنطق التوازنات : قراءة هادئة في لحظة الاختبار الإقليمي .؟
طه حسن الأركوازي ||

في لحظات التحول الكُبرى لا تُقاس قوة الدول بحجم ما تمتلكه من موارد فقط ، بل بقُدرتها على إدارة موقعها داخل بيئة إقليمية ودولية مُتغيرة ، وعلى صياغة قراراتها بما ينسجم مع مصالحها الوطنية بعيداً عن الارتهان لمحاور الصراع .
إن العراق اليوم يقف عند إحدى هذه اللحظات الفارقة حيثُ تتقاطع الضغوط الدولية مع تعقيدات الداخل ، وتتشابك الحسابات الجيوسياسية مع تحديات بناء الدولة .
حيثُ تُشير تقارير صادرة عن مراكز دراسات دولية ، مثل مجموعة الأزمات الدولية ( International Crisis Group ) ومركز ستراتفور للدراسات الأمنية ، إلى أن العراق يُنظر إليه بأعتباره ساحة توازن حساسة بين قوى إقليمية ودولية مُتنافسة ، أكثر من كونه طرفاً فاعلاً مُستقلاً في كثير من الملفات ، وهذا التصنيف لا يعكس ضعف الإمكانات العراقية بقدر ما يعكس هشاشة الإطار المؤسسي الذي يُفترض أن يُحول هذه الإمكانات إلى سياسات سيادية واضحة .
في هذا السياق ، تأتي المواقف الدولية الأخيرة لتؤكد حقيقة قائمة منذ سنوات مفادها أن المجتمع الدولي وبالأخص الولايات المتحدة ، بات يربط مستوى أنخراطه مع بغداد بمدى قُدرة الدولة العراقية على تقديم نفسها كشريك مُستقل القرار ، وليس كساحة نفوذ مُتنازع عليها ، هذا الربط لا يُقرأ فقط من زاوية سياسية ، بل من زاوية أقتصادية وأمنية وأستثمارية ، حيث تُظهر دراسات البنك الدولي ،،وصندوق النقد الدولي أن الاستقرار السياسي المبني على وضوح القرار الوطني يُمثل شرطاً أساسياً لأي نمو مُستدام أو إصلاح اقتصادي حقيقي .
المُفارقة أن العراق يمتلك من المقومات ما يؤهله لأن يكون نقطة التقاء لا نقطة صِدام ، وجسراً للتواصل لا خط تماس ، فالجغرافيا ، والثقل السكاني ، والموارد الطبيعية ، والعمق الحضاري ، جميعها عناصر تمنح بغداد فرصة لعب دور توازني إيجابي في الإقليم ، غير أن هذه الفرصة كثيراً ما تتبدد بسبب غياب رؤية أستراتيجية موحدة لإدارة السياسة الخارجية ، وتعدد مراكز التأثير داخل منظومة القرار .
تُظهر تجارب دول خرجت من صراعات معقدة ، مثل “البوسنة والهرسك” بعد أتفاق دايتون ، “وكولومبيا” بعد أتفاق السلام مع الفارك ، أن تجاوز مرحلة الهشاشة لا يتحقق عبر تسويات ظرفية فقط ، بل من خلال بناء سردية وطنية جامعة تُقدم الدولة على ما سواها ، وتعيد تعريف مفهوم الشراكة الدولية بوصفه أداة لتعزيز السيادة لا تقليصها ، هذه الدول واجهت ضغوطاً خارجية شبيهة ، لكنها أستطاعت بدرجات متفاوتة ، تحويل تلك الضغوط إلى محفز لإعادة بناء مؤسساتها ، وليس إلى سبب إضافي للانقسام .
في الحالة العراقية ، تبدو الحاجة ملحة لإعادة ترتيب الأولويات على أساس بسيط وواضح ، ما الذي يخدم المصلحة الوطنية العليا ، هذا السؤال يجب أن يكون نقطة الانطلاق لأي مقاربة سياسية ، سواء في تشكيل الحكومات أو رسم التحالفات أو إدارة العلاقات الخارجية ، فالدولة التي لا تمتلك تعريفاً مُتفقاً عليه لمصلحتها العليا ستظل عرضة للتجاذبات مهما حسنت نوايا الفاعلين داخلها .
من زاوية اقتصادية ، تُحذر مراكز بحثية عراقية ، مثل المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية ، من أن أي أهتزاز في العلاقة مع الشركاء الدوليين الرئيسيين سينعكس مباشرة على ملفات حيوية كالنظام المصرفي ، والاستثمار الأجنبي ، وإعادة الإعمار ، وتطوير قطاع الطاقة ، وهذه ليست ملفات تقنية فحسب ، بل ركائز للاستقرار الاجتماعي والسياسي ، وبالتالي ، فإن إدارة هذه العلاقات بحكمة ليست ترفاً دبلوماسياً ، بل ضرورة وجودية .
في الوقت ذاته لا يمكن تجاهل أن العراق جزء من بيئة إقليمية مُضطربة ، وأن تبني سياسة “الحياد الإيجابي” أو “التوازن الذكي” يتطلب أدوات مؤسسية قوية ، وقُدرة على ضبط الساحة الداخلية ، وحصراً واضحاً لأستخدام القوة بيد الدولة ، هذه العناصر تشكل ، وفقاً لدراسات معهد “كارنيغي” للشرق الأوسط الأساس لأي سياسة خارجية مُستقلة في دول ما بعد النزاعات .
الرسالة الأهم التي يمكن أستخلاصها من التطورات الراهنة هي أن مستقبل العراق لن يُصاغ في العواصم الخارجية بقدر ما يُصاغ في بغداد نفسها ، فكُلما نجحت الطبقة السياسية في تقديم نموذج عملي لتغليب منطق الدولة على منطق الجماعات ، كلما تراجعت قابلية العراق لأن يكون موضوعاً للإنذارات والاشتراطات.
إن المرحلة المُقبلة تتطلب خطاباً سياسياً أكثر هدوءاً ، وأقرب إلى منطق الدولة منه إلى منطق التعبئة خطاباً يعترف بالتعقيدات ، لكنه لا يستسلم لها ، ويقر بالتوازنات ، لكنه لا يُحولها إلى قيود دائمة ، وهذا يقتضي شجاعة في مُراجعة التجارب السابقة ، وجرأة في تبني مسارات إصلاح مؤسسي حقيقية ، تبدأ من الداخل قبل أن تطلب التفهم من الخارج .
أخيراً وليس آخراً .. العراق اليوم لا يبدو أنه يواجه أزمة علاقات دولية بقدر ما يواجه أختباراً في تعريف ذاته ، هل يريد أن يكون دولة ذات قرار ، أم ساحة تتقاطع فوقها قرارات الآخرين .؟
الإجابة عن هذا السؤال لا تحتاج إلى شعارات كبيرة ، بل إلى سياسات صغيرة متراكمة تُبنى على العقلانية ، وتُدار بالبراغماتية الوطنية ، وتُسندها إرادة سياسية ترى في الدولة إطاراً جامعاً لا ساحة تنافس ، هنا فقط يمكن للعراق أن يحوّل لحظة الضغط إلى فرصة ، ولحظة الاختبار إلى بداية مسار أكثر استقراراً وسيادة لا يُمكن المساس به …!




