السبت - 29 اغسطس 2026
منذ 7 أشهر
السبت - 29 اغسطس 2026

محمد صادق الهاشمي ||


إنَّ من يراقب حركة التاريخ بوعيٍ وتجرّد، يدرك أنَّ الشعوب هي الركيزة الأساس في صناعته، وهي المحرّك الحقيقي لتحوّلاته الكبرى، فبقدر ما تمتلك من وعيٍ وقوّةٍ وإرادة، يتحدّد مسار نهضتها وحضارتها وتقدّمها، وبقدر ما تغيب عن مسرح الفعل التاريخي، تتراجع وتتحوّل إلى كتلٍٍ هامدةٍ ومُستَلبَة الإرادة، فالتاريخ تصنعه الشعوب بوعيها إن أرادت النهوض، وتنكفئ صفحاته إذا غاب هذا الوعي وحلّ محلّه الركود والخمول.

في السادسة عشرة من عمري، وأثناء وجودي في الاعتقال، سمعت من المجاهدين السجناء الأحرار مقولةً للإمام الخميني (قدس سره) لا تزال راسخة في ذاكرتي، إذ قال: «إنَّ معجزة نبيّ الله موسى كانت العصا، أمّا معجزتي فهي الشّعب الإيرانيّ».

ومنذ ذلك الحين، ظلّت هذه العبارةُ حاضرةً في ذهني، لا بوصفها تعبيراً عاطفيّاً عابراً، بل كاشفةً عن عمق فهم الإمام الخميني لطبيعة المجتمع الإيرانيّ، ومقدار ثقته به، وكنت، خلال وجودي في إيران، أطرح على نفسي تساؤلاً متكرّراً: هل كان الإمام الخميني يصف المجتمع الإيرانيّ بالمعجزة في زمنه فحسب، أم أنّه توصيفٌ يتجاوز اللحظة التاريخية ليشمل العقود اللاحقة من عمر الثورة الإسلامية، رغم ما قد يواجهها من تحدّيات وضغوط؟ ولا سيّما أنّ تعاقب الزمن وتراكم الأزمات غالباً ما يُضعف عزيمة الأمم ويُنهك إرادتها.

كنت أظنّ أنّ تغيّر الظروف وسوء الوضع الاقتصادي ، وتقادم الأيّام سيؤديان حتمًا إلى تغيّر مواقف الشعب الإيرانيّ وقناعاته وولائه للثورة الإسلامية، غير أنّ متابعتي الدقيقة لمسار الأحداث في إيران، على امتداد عقود، ومنذ انتصار الثورة الإسلامية، مروراً بمواقف الشعب في الدفاع عنها بوجه أمريكا ونظام صدام، وصولاً إلى يومنا هذا، كشفت لي حقيقة مغايرة تمامًا. فقد وجدت شعباً ثابتاً في مواقفه، راسخاً في ولائه وعزيمته، وأنّ تقييم الإمام الخميني له لا يزال ساري المفعول بلا تراجع.

واللافت أنّ الغرب نفسه يدرك هذه الحقيقة، ويعلم أنّ ولاء الشعب الإيرانيّ للثورة الإسلامية ليس موقفاً طارئاً ولا عابراً، ومع ذلك، حاول البعض الترويج لفكرة أنّ التظاهرات المحدودة التي شهدها مطلع عام 2026 تعبّر عن تحوّل في قناعات الجيل الجديد من الشباب، وأنّ الحرب الفكرية قد نجحت في زعزعة ولائهم للثورة. غير أنّ الإمام الخامنئي (دام ظله) فنّد هذه الادعاءات في خطبته الأخيرة، مؤكّداً أنّ «الشباب الإيراني هم عماد الثورة وقادة نهضتها، وهم الذين يمسكون بزمامها بيدٍ من حديد رغم الصعوبات، وإليهم تُنسب الإنجازات الكبرى في مجالات الصناعة المتقدّمة، من علم النانو والصواريخ، إلى الذكاء الاصطناعي وصناعة الأقمار الصناعية وسائر الصناعات الحيوية».

وقد أثبت الشباب الإيرانيّ، بالفعل، صدق تقييم الإمامين الخميني والخامنئي، حين نزلوا مع جماهير الشعب، بالملايين، إلى الميدان خلال الفتنة الأخيرة، يهتفون بالولاء للثورة الإسلامية والبيعة للإمام الخامنئي، مردّدين:
«كلا، كلا، أمريكا وإسرائيل… نعم، نعم، للثورة والإمام الخامنئي».

وحين نتأمّل شعباً محاصراً، يرزح تحت وطأة الغلاء والضغوط والحروب، ومع ذلك يمتلك هذه العقيدة الصلبة وهذا الثبات الاستثنائي، ندرك أنّنا أمام معجزة حقيقية، هي بحقّ معجزة الإمام الخميني والإمام الخامنئي، كما كانت العصا معجزة نبيّ الله موسى (عليه السّلامُ).

لقد رأيت ذلك بعيني، وتابعت ميدانيا عن قرب كيف يواجه الشباب الإيرانيّ الحرب الهجينة، وهم ينتشرون في الشوارع والمساجد، يحمون الأمّة والثورة بثبات وإيمان. ومن هنا يمكن الجزم بأنّ أمريكا، على امتدادِ ما يقرب من نصف قرن من عمر الثورة الإسلامية، قد فشلت في حربها الهجينة ضد الشعب الإيراني، لأنّه شعب المعجزة… معجزة الولاء والصمود والثبات.

الجمعة 16 / 1 / 2026 م .