الزهراء نور من الله..!
■ الشيخ محمد الربيعي ||

اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ اللْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»
إنَّ الله خلق محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) ليكون آية قدرته في الأنبياء، ثم خلق منه بضعته وابنته فاطمة الزهراء لتكون علامة وآية على قدرة الله في إبداع مخلوق أنثى تكون كتلة من الفضائل ومجموعة من المواهب والشمائل فقد أعطى الله فاطمة الزهراء أوفر حظ من العظمة وأوفى نصيب من الجلالة بحيث لا يمكن لأية أنثى أن تبلغ تلك المنزلة.
فهي من زمرة أولياء الله الذين اعترفت لهم السماء بالعظمة قبل أن يعرفهم أهل الأرض، فقد نزلت في حقها الآيات المحكمات التي تتلى آناء الليل وأطراف النهار إلى أن تقوم الساعة، إنها الزهراء أم أبيها التي يثني عليها الله ويرضى لرضاها ويغضب لغضبها وصاحبة تلك المكانة الرفيعة العظيمة عند أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والذي كم تحدث عن عظمتها وجلالة قدرها..
محل الشاهد :
قال الإمام الصادق “: “المصباح الحسن “ع” والزجاجة الحسين “ع”.
فالإمام الحسن”ع” هو المصباح المنير، إلا أن الذي ينشر نوره وضياءه وصفاءه هو الإمام الحسين “ع”.
ويكمل الإمام الصادق “ع” حديثه عن تأويل الشجرة المباركة الزيتونة التي توقد ذلك المصباح، فيتحدث عن جذور الإمام الحسن والحسين من الإمام علي “ع” إلى خاتم الأنبياء “ص” إلى آبائهما في السلسلة الطاهرة التي يرجعان بواسطتها إلى جدهما خليل الله إبراهيم “ع” فيقول “ع” “والشجرة المباركة إبراهيم “ع” لا شرقية ولا غربية ما كان يهودياً ولا نصرانياً” ويكمل تأويل النور على النور فيقول “ع”: “ونور على نور إمام بعد إمام ويهدي الله لنوره من يشاء “يهدي الله للأئمة “ع” من يشاء”.
بقي تأويل المشكاة التي هي بيت النور ومصدر انبعاثه، ومنطلق ضيائه فما المراد بالمشكاة يقول عليه السلام: “المشكاة فاطمة”.
وورد عن علي بن جعفر قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن قول الله عز وجل كمشكاة فيها مصباح قال: “المشكاة فاطمة، والمصباح الحسن، والحسين الزجاجة كأنها كوكب دري قال: كانت فاطمة كوكباً درياً من نساء العالمين يوقد من شجرة مباركة الشجرة المباركة إبراهيم لا شرقية ولا غربية لا يهودية ولا نصرانية، يكاد زيتها يضيء قال: يكاد العلم أن ينطق منها ولو لم تمسسه نار، نور على نور قال: ابنها إمام بعد إمام يهدي الله لنوره من يشاء قال: يهدي لولايتهم من يشاء”.
وورد عن الكابلي: سألت أبا جعفر(ع) عن قول الله عز وجل [فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاوَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا] فقال: “يا أبا خالد, النور والله الأئمة من آل محمد “ص” إلى يوم القيامة، وهم, والله, نور الله الذي أنزل. وهم والله نور الله في السماوات وفي الأرض. والله يا أبا خالد, لنور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشمس المضيئة بالنهار. وهم والله ينورّون قلوب المؤمنين، ويحجب الله عز وجل نورهم عمن يشاء, فتضللهم قلوبهم. والله يا أبا خالد, لا بحبنا ويتولانا حتى يطهر الله قلبه, ولا يطهر الله قلب عبد حتى يسلّم لنا, ويكون سلماً لنا, فإذا كان سلماً لنا سلّمه الله من شديد الحساب وآمنه من فزع يوم القيامة الأكبر”.
وورد في الزيارة الجامعة: “خلقكم الله أنواراً فجعلكم بعرضه محدقين”، وورد في زيارة الإمام الحسين: “أشهد أنك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة”، وورد في زيارة الإمام الكاظم(ع): “السلام عليك يا نور الله في ظلمات الأرض”،
لقد تلازم وجود السيدة فاطمة “ع” مع وجود النور لسبب عبّر عنه النبي “ص”: “إنّ نور ابنتي فاطمة من نور الله” لذا حينما ولدت في العشرين من جمادى الثانية ورد أن نوراً ظهر في مكة، وأن نوراً ظهر في عالم التجرد الملائكي لم تره الملائكة من قبل فعلمت أن النور هو نور فاطمة “ع”.
كيف لا وهي من تلك الأنوار التي رآها خليل الله إبراهيم “ع” كما في حديث الإمام الصادق “ع” “إن الله سبحانه لما خلق إبراهيم كشف له عن بصره فنظر فرأى نوراً إلى جنب العرش فقال: الهي ما هذا النور؟ فقيل له: هذا نور علي بن أبي طالب عليه السلام ناصر ديني. ورأى إلى جنبه ثلاثة أنوار، فقال: الهي، وما هذه الأنوار؟ فقيل له: هذا نور فاطمة فطمتُ محبَّها من النار ونور ولديها الحسن والحسين عليهما السلام. فقال: الهي، وأرى تسعة أنوار قد حفّوا بهم، قيل: يا إبراهيم هؤلاء الأئمة من ولد علي وفاطمة “.
محل الشاهد :
الصدِّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) كانت نموذجاً للأخلاق المرضيّ، واُسوة للإنسان الزكيّ، بل هي اُسوة للإمام المهدي ( عليه السلام ) الذي هو اُسوتنا وحجّة الله علينا.
يقتدي بها الإمام فكيف بسائر الأنام، كما ورد في التوقيع الشريف: ـ
«وفي ابنة رسول الله لي اُسوةٌ حسنة».
فيلزم أن نتأسّى بها، ونقتدي بمحاسن صفاتها.
وهي فخر النساء، والاُسوة العلياء للمرأة المؤمنة الصالحة.
محل الشاهد :
السّلام عليكِ أيّتها التقيّة النقيّة (…) السلام عليكِ أيّتها المُحدّثة العليمة”.
تزخر نصوص زيارة السيّدة الزهراء عليها السلام بجملة من الصفات الخاصّة بها. ولعلّنا نتساءل: كيف تمكّنت فتاة تبلغ 18 عامّاً فقط أن تكون سيّدة لنساء العالمين وأنموذجاً لهنّ؟
أحد جوانب هذه الشخصيّة الجليلة، هو دورها المؤثّر في مجتمعها، وتعليمها ونشاطها وتبليغها… هي شذرات من دوائر نورها .
تعلّمت السيّدة الزهراء (عليها السلام) من العلوم الإلهيّة عبر جبرائيل (عليه السلام )ما جُمع في مصحف عُرف بـ”مصحف فاطمة عليها السلام”، وأيضاً تعلّمت من علوم أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
كما كانت (عليها السلام) راوية لحديث أبيها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وروى عنها الإمام علي (عليه السلام )والأئمة عليهم السلام، وكان ابن عباس يفتخر بنقل الرواية عنها (عليها السلام)، أيضاً.
كانت (عليها السلام) معلّمة للناس في عصرها، خاصّة النساء، فقد كنّ يقصدنها ويسألنها عمّا بدا لهنّ من الأحكام الشرعيّة وتفسير القرآن الكريم، وحلّ النزاعات وترسيخ العقائد وغيرها. وكانت الزهراء (عليها السلام) تجيب عن كل الأسئلة الموجّهة إليها بكل رحابة صدر، وهي بذلك تؤصّل العديد من القيم والأصول الأخلاقيّة والفقهيّة، لتكون بيد كلّ الأجيال.
جاءت امرأة إلى السيدة الزهراء (عليها السلام) وسألتها العديد من الأسئلة الشرعيّة حتى خجلت المرأة والسيدة فاطمة (عليها السلام) تجيب بكل رحابة صدر دون ملل أو سأم.
وروي عن الإمام العسكري (عليه السلام) أنّه قال: “… وحضرت امرأة عند الصدّيقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) فقالت: إنّ لي والدة ضعيفة، وقد لبس عليها في أمر صلاتها شيء، وقد بعثتني إليك أسألك، فأجابتها فاطمة (عليها السلام) عن ذلك، ثمّ ثنّت، فأجابت، ثمّ ثلّثت [فأجابت] إلى أن عشّرت، فأجابت، ثم خجلت من الكثرة،
فقالت: لا أشقّ عليك يا بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قالت فاطمة (عليها السلام): “هاتي وسلي عمّا بدا لك، أرأيتِ مَن اكترى يوماً يصعد إلى سطح بحمل ثقيل، وكراؤه مائة ألف دينار، أيثقل عليه؟”،
فقالت: لا،
فقالت: “اكتريت أنا لكلّ مسألة بأكثر من ملء ما بين الثرى إلى العرش لؤلؤاً، فأحرى أنْ لا يثقُل عليّ.
سمعت أبي [رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم] يقول: إنّ علماء شيعتنا يُحشرون، فيُخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم وجِدِّهم في إرشاد عباد الله، حتى يُخلع على الواحد منهم ألف ألف خِلعة من نور. ثم ينادي منادي ربّنا عزّ وجلّ: أيّها الكافلون لأيتام آل محمد، الناعشون لهم عند انقطاعهم عن آبائهم الذين هم أئمّتهم، هؤلاء تلامذتكم والأيتام الذين كفلتموهم ونعشتموهم فاخلعوا عليهم [كما خلعتموهم] خلع العلوم في الدنيا. فيخلعون على كل واحد من أولئك الأيتام على قدر ما أخذوا عنهم من العلوم، حتى إنّ فيهم (الأيتام) لمن يخلع عليه مائة ألف خلعة، وكذلك يخلع هؤلاء الأيتام على من تعلّم منهم”.
وقالت فاطمة (عليها السلام): “يا أمَة الله إنّ سِلكاً من تلك الخلع لأفضل ممّا طلعت عليه الشمس ألف ألف مرة، وما فَضُل فإنّه مشوبٌ بالتنغيص والكدر”. وكان هذا دأبها طيلة حياتها الشريفة.
كانت السيّدة فاطمة عليها السلام قاضيةً بين النساء، تحِلُّ النزاعات والخلافات، سواء الأسريّة أو العقائدية وغيرها، ومن جملتها القصّة المعروفة عندما: “اختصم إليها امرأتان، فتنازعتا في شيء من أمْر الدين، إحداهما معاندة، والأخرى مؤمنة، ففتحت على المؤمنة حجّتها، فاستظهرت على المعاندة، ففرحت فرحاً شديداً، فقالت فاطمة (عليها السلام): “إنّ فرح الملائكة باستظهارك عليها أشدّ من فرحك، وإنّ حزن الشيطان ومَردته بحزنها أشدُّ من حزنها”.
“وإنّ الله عز وجل قال للملائكة: أوجبوا لفاطمة بما فتحت على هذه المسكينة الأسيرة من الجنان ألف ألف ضعف ما كنت أعددتُ لها، واجعلوا هذه سنّةً في كلّ مَن يفتح على أسير مسكين، فيغلب معانداً مثل ألف ألف ما كان له معدّاً من الجنان”.
أي أنّها بيّنـت (عليها السلام) حجّــة ودليــل المرأة الموالية، وأدحضت كلام المرأة المعاندة وغلبتها ببيانها (عليها السلام).
اللهم احفظ الاسلام و المسلمين
اللهم احفظ العراق وشعبه




