الأربعاء - 24 يونيو 2026

حين يستغل الساسةُ ضُعفَ الوعي الجمعي .؟

منذ 8 أشهر
الأربعاء - 24 يونيو 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

مع إنتهاء التصويت الخاص بالمؤسسة الأمنية ، وفي الساعات القليلة التي تسبق التصويت العام ، يبدأ المشهد العراقي بالتحوّل إلى ساحةٍ مُكتظة بالشعارات والوعود ، تتدافع فيها اللافتات والصور والخطب الانتخابية كما لو أن البلاد تقف على أعتاب تحولٍ كبير طال أنتظاره ، غير أن المُتأمل يدرك سريعاً أن الوجوه ذاتها تعود إلى الواجهة ، والخطابات ذاتها تتكرر بصيغ مختلفة ، فيما تبقى الأزمات على حالها .

الجديد الوحيد هو الألوان والزخارف الدعائية التي تُخفي وراءها واقعاً سياسياً مأزوماً ، حيثُ تُعلن كُل كتلةٍ نفسها المنقذ ، ويتحدث كُل سياسي وكأنه لم يكن يوماً جزءاً من منظومة الإخفاق التي قادت البلاد إلى ما هي عليه اليوم .

إن ما يجري اليوم لا يبدو سباقاً أنتخابياً بالمعنى الحقيقي ، بقدر ما هو موسم تتكثف فيه محاولات التأثير على وعي الناخب وإعادة تشكيل قناعاته ، فبينما تتسابق الكتل في تسويق خطابها الوطني ، تُدار الحملات الانتخابية بوسائل وإمكانات تثير تساؤلات حول مصادرها وأهدافها ، وتُعاد الوجوه ذاتها إلى الواجهة بعباراتٍ أكثر بريقاً وشعاراتٍ أكثر جاذبية ، الجميع يتحدث عن الإصلاح والعدالة الاجتماعية ، غير أن التجربة الماضية تُظهر أن الشعارات وحدها

لا تكفي لبناء دولة ما لم تُترجم إلى أفعالٍ حقيقية وإرادةٍ صادقة تُقدّم المصلحة العامة على ما سواها .

لقد أصبحت الانتخابات في العراق أنعكاساً لعطبٍ أعمق من حدود السياسة ذاتها ، فهي تُجسّد علاقةً مضطربة بين الحاكم والمواطن ، فعندما يتحول الناخب إلى مُتفرجٍ أو تابعٍ أو زبونٍ أنتخابي ، تُختطف الإرادة العامة تحت عناوين “الخدمات” و“الولاءات” ،

وحين يُختزل الوعي الشعبي في البحث عن منفعةٍ آنية ، تُمنح الشرعية لمن تسبب بالأذى ، ويُقصى من يحمل مشروع الإصلاح لأنه لا يجيد لغة الدعاية ولا يمتلك أدوات النفوذ والمال ، وبهذه الطريقة يُعاد إنتاج السطحيات في المشهد العام ، حيث تُفتح المنابر لمن يُتقن إثارة الضجيج ، وتُغلق أمام من يتحدث بالعقل والمنطق ، ويُسهم الإعلام على حدٍ سواء في ترسيخ هذا الخلل في الذوق العام ، حين يمنح المساحة لمن يرفع صوته أكثر لا لمن يقدّم فكراً أعمق ، وهكذا تتراجع الكفاءة أمام الشهرة ، ويُختزل المنصب من أستحقاقٍ للكفاءة إلى مكافأةٍ على الولاء .

إن أخطر ما في هذا التحول أنه لا يقتصر على السياسة فحسب ، بل يمتد إلى الوعي الجمعي ذاته ، فجيلٌ نشأ في ظل مشهدٍ سياسي يُكرّس الضجيج ويُهمّش الفعل ، سيكبر وهو يعتقد أن الطريق إلى النجاح يمر عبر الولاء لا الاجتهاد ، وعبر الخطاب لا العمل ، هذا الانحراف القيمي يُهدد فكرة الدولة ذاتها ، لأن بناءها يحتاج إلى عقولٍ تُقدر المسؤولية ، لا إلى أصواتٍ تتقن التهويل والادعاء .

أما على مستوى المؤسسات ، فقد أصبح غياب الكفاءة جُزءاً من بنُية السلطة لا خللًا عابراً ، فالمناصب تُقسم “بالمحاصصة” ، والولاءات تُباع وتُشترى ، والأكفاء يُقصون لأن وجودهم يحرج الفاسدين وهكذا تضيع معايير الاختيار وتُستبدل بمعادلات الولاء الحزبي والمصلحة الضيقة ، وما يلبث المواطن أن يدفع الثمن في تراجع الخدمات ، وأنهيار الثقة ، وأستمرار العجز في كُل قطاعٍ حيوي ،

ولا يمكن إعفاء المجتمع من المسؤولية ، فالصمت تواطؤ ، والتساهل مع الخطأ مشاركة فيه ، فعندما يتعامل الناخب مع صوته كصفقةٍ لا كأمانة ، فأنه يكرّس من حيث لا يدري دورة الفساد ذاتها التي يلعنها ، الإصلاح لا يُمنح من فوق ، بل يُصنع من القاعدة ، من وعيٍ شعبي يرفض الخِداع ، ويُعيد تعريف الوطنية لا كشعارٍ يُرفع ، بل كمسؤوليةٍ تُمارس .

أما الطبقة السياسية فهي اليوم أمام خياراتٍ حاسمة :
إما أن تواصل إرتداء قناع القيم والمبادئ بينما تمارس نقيضها في الواقع ، فتدفع بالدولة نحو مزيدٍ من الانحدار .؟
أو أن تجرؤ على إعادة الاعتبار للكفاءة والمهنية كمعيارٍ وحيدٍ للاختيار ، فالإدارة الرشيدة لا تُبنى على الوعود ، بل على صدق الأداء وأحترام العقول .؟

أخيراً وليس آخراً .. إن العراق اليوم لا يحتاج إلى مزيدٍ من الشعارات ، بل إلى صدقٍ في القول والفعل ، فحين تُستعاد المعايير الصحيحة ، ستتراجع الوجوه الزائفة مهما أرتفع صخبها ، وحين يعود العقل إلى موقعه الطبيعي ، لن تجد السطحية طريقاً إلى الحكُم ، فالمستقبل لن يصنعه من يصرخ أكثر ، بل من يعمل بصمتٍ من أجل وطنٍ يستحق أن يُنقذ من بين ركام الوعود …!