الأربعاء - 01 يوليو 2026

أزمة القرار السياسي في ظل التعدد الحزبي وتآكل الانتماء الوطني..!

منذ 8 أشهر
الأربعاء - 01 يوليو 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

في خضم التحولات السياسية المُتسارعة التي تشهدها الساحة الوطنية ، تبرز أزمة القرار السياسي كأحد أبرز مظاهر الانحدار المؤسسي ،

حيث تتداخل التوجهات الحزبية وتتصارع الميول الأيديولوجية في مشهد يعكس غياب البوصلة الوطنية الجامعة ، لم يعد القرار السياسي نتاجاً لرؤية أستراتيجية تخدم المواطن والدولة ، بل أصبح إنعكاساً لمصالح ضيقة تتقاسمها أطراف متعددة ، تتنافس على الامتيازات والمناصب ، وتغيب عنها روح الانتماء الحقيقي للوطن ، هذه الأزمة لا تُختزل في التخبط الإداري أو التنافر السياسي فحسب ، بل تمتد لتُطال جوهر العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، بين الدولة ومواطنيها ، وبين المشروع الوطني والمصالح الحزبية .

إن تعدد الأحزاب في أي نظام ديمقراطي يُفترض أن يكون مصدر إثراء سياسي وتنوع فكري ، إلا أن الواقع المحلي يكشف عن صورة مغايرة ، حيث تُحول هذا التعدد إلى حالة من التشرذم والانقسام ولا تُنتج إلا مزيداً من الجمود والتنازع ،

فالأحزاب بدلاً من أن تكون أدوات بناء وتطوير ، أصبحت أدوات تقاسم وتناحر ، تتصارع على السلطة لا من أجل خدمة المواطن ، بل من أجل تثبيت النفوذ وتوسيع دائرة الامتيازات .

إن غياب الانتماء الوطني لدى بعض الفاعلين السياسيين يُعد من أخطر مظاهر هذا التراجع ، إذ لم يعد الولاء للوطن هو المحرك الأساسي للقرار ، بل باتت الولاءات الحزبية والطائفية والجهوية تتصدر المشهد ، وتُحدد أتجاهات السياسات العامة ، هذا الانفصال بين الطبقة السياسية والمصلحة الوطنية يُنتج قرارات متخبطة ، لا تنسجم مع أحتياجات المواطن ولا تتماشى مع تحديات المرحلة .

المحاصصة السياسية التي أُريد لها أن تكون ضمانة للتوازن ، تحولت إلى عبء يُقيد مؤسسات الدولة ويُضعف قدرتها على الإنجاز ، فكُل منصب يُنظر إليه كغنيمة ، وكُل قرار يُخضع لمساومات ، وكُل مشروع يُقاس بمدى فائدته للحزب لا للوطن ، هذه الثقافة تُفرغ الدولة من مضمونها ، وتُحولها إلى ساحة لتصفية الحسابات ، لا إلى منصة لتحقيق التنمية والعدالة ،

وفي ظل هذا الواقع ، تغيب الرؤية الاستشرافية التي تُفترض أن تُوجه السياسات نحو المستقبل ، وتُبنى على أسس علمية ومؤسساتية ، فالتخطيط يغيب ، والارتجال يحضر ، والقرارات تُتخذ في غرف مغلقة بعيداً عن نبض الشارع وأحتياجاته ، هذا الانفصال بين السلطة والمجتمع يُعمّق الفجوة ، ويُضعف الثقة ، ويُهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي .

أخيراً وليس آخراً .. إن الطبقة السياسية اليوم أمام أختبار تاريخي ونحن على أبواب أنتخابات ، يتطلب اليوم منها مُراجعة جذرية لمفاهيمها وممارساتها وسلوكها العام ، فالوطن لا يُبنى بالمحاصصة ، ولا يُدار بالولاءات الضيقة ، ولا يُنهض بالتقاتل على الامتيازات ، بل يُبنى بالأنتماء الصادق ، والرؤية الواضحة ، والإرادة الوطنية ، لذا على السياسيين أن يدركوا أن خدمة المواطن هي جوهر العمل السياسي ، وأن القرار يجب أن يُستمد من المصلحة العليا لا من الحسابات الحزبية .

إن إعادة الاعتبار للروح الوطنية ، وتغليب الانتماء للوطن على كُل أنتماء آخر ، هو السبيل الوحيد لإنقاذ الدولة من التخبط ، ووضعها على طريق الاستقرار والنهضة …!