الإمام الحسن العسكري (ع).. وتشكيل الفِكر الشيعي..!
اكرم كامل الخفاجي ||

الحمد لله ربِّ العالمين .. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .
أقول بدءً كيف لنا الكتابة عن إمام هو الشاهد في السماء والشهيد في الأرض .. وأنى لقلمي أن يحيط به خُبراً وقد أجلى العقول برهاناً على أنه من العترة الطاهرة (ع) .. وحقٌ لطرف بلاغتي أن ينحسر فيرجع كليلاً عن شأنه ، وما جُدتُ إلا بهذه الأسطر المتواضعة التي تبين قصوري .. فأعتذر إليك سيدي عن ضعف المقال الذي ساقني إليه فرط حبي لك ، فمحبتي تقتضي مقامي وحالتي تقتضي التدوين ، وعزائي أن يكون شفيعي في البرزخ ويوم يقوم الأشهاد لرب العالمين .
ولا عجب إذا تناهت الحروف عن بيان شخصية هو من الذين قال عنهم الرسول الأعظم (ص) : يكون بعدي اثنا عشر إماماً ، لا يَضرهم تكذيب من كذبهم ! .
أرسل الإمام الحسن العسكري (ع) رسالة إلى إسحاق بن إسماعيل النيسابوري ـ أحد أصحابه الثقاة ـ بيّن فيها (ع) مدى أهمّية الإمامة ، جاء فيها :
{سترنا الله وإيّاك بستره ، وتولاّك في جميع أمورك بصنعه ، فهمت كتابك يرحمك الله ، ونحن بحمد الله ونعمته ، أهل بيت نرقُّ على أوليائنا ، ونسرُّ بتتابع إحسان الله إليهم ، وفضله لديهم ، ونعتدّ بكل نعمة ينعمها الله تبارك وتعالى عليهم .
فأتم الله عليك يا إسحاق وعلى من كان مثلك – ممّن قد رحمه الله وبصّره بصيرتك – نعمته وقدر تمام نعمته دخول الجنّة ، وليس من نعمة ، وإن جل أمرها وعظم خطرها ، إلاّ وتقدّست أسماؤه عليها ، مؤدٍ شكرها .
وأنا أقول : الحمد لله أفضل ما حمده حامد إلى أبد الأبد ، بما منّ الله عليك من رحمته ، ونجّاك من الهلكة ، وسهّل سبيلك على العقبة ، وأيم الله أنّها لعقبة كؤود ، شديد أمرها ، صعب مسلكها ، عظيم بلاؤها ، قديم في الزبر الأولى ذكرها .
ولقد كانت منكم في أيّام الماضي (عليه السلام) إلى أن مضى لسبيله ، وفي أيّامي هذه ، أمور كنتم فيها عندي غير محمودي الرأي ، ولا مسدّدي التوفيق .
فاعلم يقيناً يا إسحاق : أنّه من خرج من هذه الدنيا أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً .
يا إسحاق ليس تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ، وذلك قول الله في محكم كتابه حكاية عن الظالم إذ يقول : (رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ ءَايَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى) طه : 125 – 126 .
وأي آية أعظم من حجّة الله على خلقه ، وأمينه في بلاده ، وشهيده على عباده ، من بعد من سلف من آبائه الأوّلين النبيين ، وآبائه الآخرين الوصيين (عليهم أجمعين السلام ورحمة الله وبركاته) .
فأين يتاه بكم وأين تذهبون كالأنعام على وجوهكم ، عن الحق تصدفون ، وبالباطل تؤمنون ، وبنعمة الله تكفرون ، أو تكونون ممّن يؤمن ببعض الكتاب ، ويكفر ببعض ، فما جزاء من يفعل ذلك منكم ومن غيركم إلاّ خزي في الحياة الدنيا ، وطول عذاب في الآخرة الباقية ، وذلك والله الخزي العظيم .
إنّ الله بمنّه ورحمته لمّا فرض عليكم الفرائض ، لم يفرض ذلك عليكم لحاجة منه إليكم ، بل رحمة منه – لا إله إلاّ هو – عليكم ليميز الخبيث من الطيّب ، وليبتلي ما في صدوركم ، وليمحّص ما في قلوبكم ، لتسابقوا إلى رحمة الله ، ولتتفاضل منازلكم في جنّته ، ففرض عليكم الحج والعمرة ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والصوم والولاية ، وجعل لكم باباً تستفتحون به أبواب الفرائض مفتاحاً إلى سبيله ، لولا محمّد (صلى الله عليه وآله) ، والأوصياء من ولده ، لكنتم حيارى كالبهائم لا تعرفون فرضاً من الفرائض ، وهل تدخل مدينة إلاّ من بابها ، فلمّا منَّ عليكم بإقامة الأولياء بعد نبيكم ، قال الله في كتابه : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) المائدة : 3 .
ففرض عليكم لأوليائه حقوقاً أمركم بأدائها ليحلّ لكم ما وراء ظهوركم من أزواجكم وأموالكم ومأكلكم ومشاربكم ، قال : (لا أَسْاَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) الشورى : 23 ، واعلموا أنّ من يبخل فإنّما يبخل عن نفسه ، والله الغني وأنتم الفقراء ، لا إله إلاّ هو ، ولقد طالت المخاطبة فيما هو لكم وعليكم .
ولولا ما يحب الله من تمام النعمة من الله عليكم ، لما رأيتم لي خطاً ولا سمعتم منّي حرفاً ، من بعد مضي الماضي (عليه السلام) ، وأنتم في غفلة مما إليه معادكم ، ومن بعد إقامتي لكم إبراهيم بن عبدة ، وكتابي الذي حمله إليكم محمّد بن موسى النيسابوري ، والله المستعان على كل حال ، وإيّاكم أن تفرطوا في جنب الله فتكونوا من الخاسرين ، فبعداً وسحقاً لمن رغب عن طاعة الله ، ولم يقبل مواعظ أوليائه ، فقد أمركم الله بطاعته ، وطاعة رسوله ، وطاعة أولي الأمر .
رحم الله ضعفكم وغفلتكم ، وصبركم على أمركم ، فما أغر الإنسان بربّه الكريم ، ولو فهمت الصم الصلاب بعض ما هو في هذا الكتاب لتصدعت قلقاً وخوفاً من خشية الله ، ورجوعاً إلى طاعة الله ، واعملوا ما شئتم (فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ، ثم تُردّون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمّد وآله أجمعين} .
وقد ورد عن الإمام الحسن العسكري (ع) قوله في بيان منزلة الإمام ووجوب معرفته : (أشد من يتم اليتيم الذي انقطع عن أبيه يتم يتيم انقطع عن إمامه ولا يقدر على الوصول إليه ولا يدري كيف حكمه فيما يبتلى به من شرائع دينه) .
فالانقطاع عن الإمام يجعل الإنسان في متاهة من الحياة فيما يستجد عليه ، فيضل السبيل إلى الله تعالى ، وهو ما يؤدي به إلى التهلكة .
وقال (ع) أيضاً : (الفقر معنا خير من الغنى مع غيرنا والقتل معنا خير من الحياة مع عدونا ، ونحن كهف لمن التجأ إلينا ونور لمن إستبصر بنا وعصمة لمن اعتصم بنا ، من أحبّنا كان معنا في السنام الأعلى ومن انحرف عنا فإلى النار) .
إقول : أن ترضى بما لديك فقد ملكت مفتاح السعادة ، وأن تطمح للخير فقد اخترت أن تسلك طريق السعادة ، وأن تجعل هدفك في الحياة إسعاد الآخرين .. فأنت السعادة بذاتها .
وترجمة السعادة وتمامها في هذا الحديث :
{روى العلامة المجلسي (رحمه اللّه) عن بعض مؤلفات أصحابنا عن عليّ بن عاصم الكوفي الأعمى انّه قال:
دخلت على سيدي الحسن العسكري فسلّمت عليه فردّ عليّ السلام وقال : مرحبا بك يا ابن عاصم اجلس هنيئا لك يا ابن عاصم أتدري ما تحت قدميك ؟ فقلت : يا مولاي انّي أرى تحت قدمي هذا البساط كرّم اللّه وجه صاحبه ، فقال لي : يا ابن عاصم اعلم انّك على بساط جلس عليه كثير من النبيين والمرسلين ، فقلت : يا سيدي ليتني كنت لا أفارقك ما دمت في دار الدنيا ، ثم قلت في نفسي ليتني كنت أرى هذا البساط ، فعلم الإمام (عليه السّلام) ما في ضميري ، فقال : أدن منّي فدنوت منه فمسح يده على وجهي فصرت بصيرا باذن اللّه .
ثمّ قال : هذا قدم أبينا آدم ، وهذا أثر هابيل ، وهذا أثر شيث ، وهذا أثر إدريس ، وهذا أثر هود ، وهذا أثر صالح ، وهذا أثر لقمان ، وهذا أثر إبراهيم ، وهذا أثر لوط ، وهذا أثر شعيب ، وهذا أثر موسى ، وهذا أثر داود ، وهذا أثر سليمان ، وهذا أثر الخضر ، وهذا أثر دانيال ، وهذا أثر ذي القرنين ، وهذا أثر عدنان ، وهذا أثر عبد المطلب ، وهذا أثر عبد اللّه ، وهذا أثر عبد مناف ، وهذا أثر جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ، وهذا أثر جدّي عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) .
قال عليّ بن عاصم : فأهويت على الأقدام فقبّلتها ، وقبّلت يد الامام (عليه السّلام) وقلت له : انّي عاجز عن نصرتكم بيدي ، وليس أملك غير موالاتكم والبراءة من أعدائكم ، واللعن لهم في خلواتي ، فكيف حالي يا سيدي ؟ فقال (عليه السّلام) : حدّثني أبي عن جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) قال : من ضعف على نصرتنا أهل البيت ولعن في خلواته أعداءنا بلّغ اللّه صوته إلى جميع الملائكة ، فكلّما لعن أحدكم أعداءنا صاعدته الملائكة ، ولعنوا من لا يلعنهم ، فإذا بلغ صوته إلى الملائكة استغفروا له وأثنوا عليه ، وقالوا : اللهم صلّ على روح عبدك هذا الذي بذل في نصرة أوليائه جهده ، ولو قدر على أكثر من ذلك لفعل ، فإذا النداء من قبل اللّه تعالى يقول : يا ملائكتي انّي قد أحببت دعاءكم في عبدي هذا ، وسمعت نداءكم وصلّيت على روحه مع أرواح الأبرار ، وجعلته من المصطفين الأخيار} .
كتاب (منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل) للشيخ عباس القمي (رحمه الله) ج ٢ ، ص ٦٥٤ .
ومن أحاديثه الشريفة :
قال الإمام العسكري (ع) : المؤمن بركة على المؤمن وحجة على الكافر .
قال الإمام العسكري (ع) : خصلتان ليس فوقهما شيء الإيمان بالله ونفع الإخوان .
سيدي ومولاي : ما خاب مَنْ تمسّك بكم وأمن مَنْ لجأ إليكم .. فاشفع لنا عند الله بحق الله وأهل البيت (عليهم السلام) عندك .




