الأربعاء - 19 اغسطس 2026
منذ 11 شهر
الأربعاء - 19 اغسطس 2026

محمد حسن زيد ||
13 سبتمبر 2025

 

 

كما تألم النبي على الحمزة نتألم على شهدائنا.. وكما فُجع الحسين على نجله الرضيع عبدالله قد نذرف الدموع بكبرياء.. سقط عدد من أفراد عائلتي شهداء.. وسقط عدد من رفاقي شهداء.. نتألم.. نعم.. لكننا لا ننكسر ولا نزداد بهذه التضحيات إلا عزيمة وقوة وصبرا.. نشتاق.. نعم.. لكن مع اليقين بالعوض الجزيل في الدنيا والآخرة..

أما تقدير الموقف فالصواب أن نتركه للقيادة وعلينا أن نتوحد خلفها ما لم فالخسائر ستكون أكبر وأفدح والتضحيات ستذهب هباء..

نحن نحترم من يعبر عن جزعه بعفوية حتى ولو كان في وسائل الإعلام والمنابر العلنية.. لكن نقول له: انتبه – فهناك من يحاول استثمار الجريمة لأن لا فائدة عسكرية منها ولا تدل إلا على عجز العدو ضد العسكريين..

أولئك الذين كانوا في البداية ضد التحالف وكانت مجازره العديدة لا تُثير عندهم أي جزع أو بلبلة ثم بعدما دعوا لفتنة وحرب أهلية من بيت إلى بيت ومن نافذة إلى نافذة تُحرق الأخضر واليابس وتحصد رؤوس المواطنين بغير حساب وتتوعد بالذبح والسحل وتصفية الحساب والإبادة الجماعية لفئة كاملة كيف سيكون لبكائهم اليوم على المجزرة والدماء معنى إلا ليجعلوا لجرائم إسرائيل ضد المدنيين ثمرة إرجافية ويُغروها بارتكاب المزيد! ..

إن كان هؤلاء صادقين حقا ويريدون لوم أحد فليلوموا المجرم الذي يستهدف المدنيين ويترك العسكريين هذا إن كانوا يستطيعون فتح أفواههم عليه سيما والغزل بينهم وبينه قد أصبح ظاهرا غير خفي وقد أصبح يزور جبهاتهم علنا وينشر التقارير!

أما أولئك الذين استبشروا بالهجوم الأمريكي على اليمن وظنوا انه سيُعيدهم إلى صنعاء حاكمين على ظهر طائراته واستدعوا قبله قصف التحالف سنوات على بلدهم لكسر إرادته وإعادة الوصاية الخارجية عليه فارتكب عشرات المجازر التي تم تأليف المؤلفات حولها وكانوا يُسارعون بعد كل مجزرة إلى اتهام الضحية وتبرئة الجاني وآخرها كان مجزرة سوق فروة نسمعهم اليوم عاجزين عن تكرار هذه اللعبة لذلك حاولوا استثمار الجريمة بطريقة مختلفة وهي طريقة التباكي على شهداء مجزرة حي التحرير وتحميل قرار إسناد غزة مسؤوليتها والتبرير ضمنيا للجاني!

فكيف إذا تعرضت مدينة ذمار للهجوم والقصف هل نحن معنيون بالدفاع عنها؟
أم سنتركها تلاقي مصيرها لوحدها وندس رؤوسنا في التراب؟
هل سنتحمل من أجلها أعباء الحرب باعتبارها جزءا لا يتجزأ من وطننا وشعبنا وأمننا؟
ألم نسمع المثل اليمني الحكيم: “ما أصبح عند جارك أمسى في دارك”

أم سنقول لمن سيتحرك للدفاع عن مدينة ذمار اقعد فأنت تُعرّض المواطنين في صنعاء للقصف والخطر؟
وهل التحرك لإسناد مدينة ذمار هو ما سيُعرّض صنعاء للخطر؟ أم أن القعود هو ما سيعرض صنعاء للخطر؟
نعم.. هناك من لا يرى نفسه معنيا إلا بنفسه وبيته وأسرته، وهناك من لا يرى نفسه معنيا إلا بفئة أو طائفة أو منطقة معينة ينتمي إليها، وهناك من لا يرى نفسه معنيا إلا بوطن رسم سايكس – بيكو حدوده لذلك تسمعه يتحدث بحرقة عما أصاب مدينة الحديدة رغم انه من سكان صنعاء لكن ما عدا ذلك فهو يقول: “هذا الأمر لا يعنينا وأصبح خارج نطاق واجبنا ومسؤوليتنا”.. لكن هناك من يرى نفسه معنيا بشأن الأمة العربية والإسلامية جمعاء فهل يُلام على ذلك؟!

منطقيا طالما بررنا لمن يرى نفسه معنيا بأهله أو بطائفته أو بمنطقته أو بوطنه فلا يمكننا أن نلوم من يرى نفسه معنيا بشأن الأمة جمعاء ويضحي بنفسه وأبنائه وإخوانه من أجلها بل الأجدر أن نراه بطلا عظيما وأن نشيد بموقفه النبيل الشجاع كما يشيد به الأحرار في مختلف أقطار الأرض..

أمريكا ارتكبت مجزرة سوق فروة ثم فرت هاربة.
التحالف ارتكب مجازر الصالة الكبرى ومدرسة ضحيان وعرس سنبان وعزاء أرحب وغيرها العشرات ثم توقف.
إسرائيل ارتكبت مجزرة التحرير وستفر هاربة بعون الله تعالى ونصره

نفقد الأحباء والأقرباء… نتألم على سقوطهم لكن بصبر وإباء، وحين نفعل ذلك لا نفعله اعتزازا بأنفسنا فقط بل نحن أيضا على يقين بالعوض الجزيل بين يدي الله للشهداء ولنا لأنهم لم يسقطوا في قضية تافهة… من أجل مصلحة أو نصرة لطاغوت صغير أو من أجل الحصول على حفنة مال أو جاه… بل في قضية عادلة لا يختلف عليها اثنان بات يؤيدها حتى الكافرون!

الخسارة الأكبر هو حالة الخذلان واللامبالاة التي تعيشه أمتنا… حالة الخوف من الجهاد والتضحيات والتي ستقابل بها الله.. “وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ”

الخسارة الأكبر هي أن يبيع الإنسان موقفه من أجل أن يعيش سنوات في رفاهية زائفة ستفقد معناها يوما وتنضب وتنتهي..

الخسارة الأكبر أن يخسر الإنسان آخرته لأن الحياة الحقيقية هناك والبقاء الدائم هناك والمصير النهائي هناك.. هكذا نعتقد وبهذا نتيقن.. وهكذا نفكر كمسلمين.. وهذا ما أعجز أعداءنا!

لا نُعفي الدولةَ من أي تقصير في واجباتها تجاه المواطنين ولا نُعفيها من أي تقصير في استعداداتها وأخذها بالأسباب كما أمر الله، لكن تعودنا نحن اليمانيون على أن نبذل رؤوسنا صونا لكرامتنا ولا نخضع لنذل حتى في القضايا الصغيرة… هذه طبيعتنا… هكذا تربينا… على هذا نشأنا… هذه شخصيتنا… الخضوع لغير الله وغير ما أوجب الله ليس في قاموسنا.. والركوع لغير الله ولغير ما أوجب الله ليس واردا عندنا.. فهل يظن ذلك الذي يسحق إخواننا في غزة وقد ضرب الله عليه الذلة والمسكنة أنه بارتكاب المجازر سيُرعبنا؟

وهل يظن الطابور الخامس الذي يحاول استثمار هذه المجزرة انه سيكسر إرادتنا؟
ها هو حزب الله في لبنان قد توقف تماما عن الرد على خروقات إسرائيل فهل توقف العدو عن القتل والمجازر؟

تلكم سوريا قد ذهبت بعد إسقاط نظام الممانعة راكعة خاشعة خاضعة تحت أقدام إسرائيل فهل توقف العدو عن القضم والقصف والتفتيت؟

فما هو المطلوب إذن؟
أن نصاب بالذل؟! “يأبى الله لنا ذلك، ورسوله، والمؤمنون، وحجورٌ طابت وطهرت، وأنوفٌ حميّة، ونفوسٌ أبية، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام”

أهي محاولة لاستثمار مجزرة لا فائدة عسكرية لها ولا تدل إلا على عجز العدو وفشله؟

جواب اليمن كان في الحضور الشعبي الحاشد في مظاهرة الأمس لأن هذا الجمهور الشهم الكريم يعلم أن إظهار الضعف والخوف إنما يُثير في الكلاب غريزة الهجوم والتمادي.. لا يردعها ولا يستدعي شفقتها..
هذا والله المستعان هو نعم المولى ونعم النصير