الخميس - 02 يوليو 2026

ترجمة الحقائق إلى أكاذيب: لعبة المتملقين في دهاليز السلطة العراقية .؟

منذ 10 أشهر
الخميس - 02 يوليو 2026

طه حسن الأركوازي ||

 

 

من يتأمل مسار الدول التي فشلت في بناء مؤسساتها يكتشف أن المشكلة لم تكن دائماً في غياب الموارد أو ضعف القدرات ، بل في التشويه المتعمد للحقيقة داخل دوائر صنع القرار ، حيثُ أن هناك دائماً من يحتكر المعلومة ، ويعيد صياغتها وفق مصالحه ،

فيصبح القائد أو المسؤول أسيراً لروايات مُنحرفة ، لايرى الواقع كما هو بل كما تُريده البطانه والحاشية وهنا تبدأ الكارثة ، لأن القرارات الكبرى تُبنى على أوهام مُصطنعة فيدفع الشعب الثمن مضاعفاً ، مرة بسبب الفشل في إدارة الدولة ، ومرة بسبب الثقة العمياء بمن نقلوا الصورة مغلوطة .

في عالم المافيات ، هناك قصة تتردد عن زعيم أكتشف أن مُحاسبه سرق منه أموالاً طائلة ، ولأن المُحاسب كان أبكم أصم ، أستعان الزعيم بخبير في لغة الإشارة ليكشف الحقيقة ، لكن الخبير أستغل موقعه ، فحَرف المعاني ونقل أقوالاً لم تصدر ، ليُحول المواجهة إلى مأساة أنتهت برصاصة ضائعة وخسارة أكبر .؟

المغزى في هذه القصة ليس المال ولا الدم ، بل خطورة الاعتماد الأعمى على “الوسيط” الذي يحتكر المعلومة ويعيد صياغتها وفق مصالحه .؟

وإذا أسقطنا هذه الحكاية على واقعنا العراقي ، فسنجد أنفسنا أمام مشهد يتكرر يومياً ، فالمسؤول هنا لا يحيط نفسه بمترجمي لغة الإشارة ، بل بأشباه مترجمين آخرين ، يحرفون الحقيقة لتبدو وهماً جميلاً ، ويُحولون المصالح الشخصية إلى بطولات ، ويكسون الفساد ثوب الإنجاز ، هؤلاء هُم بطانة المنافقين والمتملقين الذين يعيدون صياغة صورة الواقع بما يخدم أهواءهم الحزبية والفئوية الضيقة ، فيُعطلون رؤية الحقائق ، ويدفعون المسؤول نحو قرارات كارثية يتحمل الشعب وحده تبعاتها . وللأسف ، فإن الأمثلة على ذلك في عراق اليوم أكثر من أن تُحصى .؟

في العراق ، ليست المشكلة في نقص المعلومات ، بل فيمن يتلاعب بها قبل أن تصل إلى موقع القرار ، ترى مستشاراً يزين الأخطاء ويبرر الفشل ، أو مسؤولاً يُحرف الوقائع ليخدم حزبه ، أو إعلامياً يختزل الأزمات في شعارات زائفة ، وكل ذلك يجري تحت شعار

“النصح و الولاء”، بينما الحقيقة تُدفن خلف المستودع ، كما في الحكاية الأصلية ولا يجرؤ أحد على كشفها خوفاً من غضب الزعيم أو فقدان المكاسب .

إن خطورة هذه الظاهرة تكمن في أنها تَنتج دولة عمياء تُقاد بألسنة المنافقين ومُحرفي الحقائق ، فحينما تُحجب الحقيقة عن صانع القرار ، يتحول إلى أسير لما يُملى عليه ، ويُبنى القرار السياسي على رمال متحركة ، ولنا في تجاربنا القريبة شواهد لا تُحصى ، مشاريع عملاقة أُعلن عنها ثم تبخرت لأن التقارير التي رُفعت كانت مليئة بالوعود الكاذبة ، وخطط إصلاح تعطلت لأن بعض المستشارين رسموا صورة وردية تخفي حجم الخراب ، ومسؤولون ظلوا يثقون ببطانتهم حتى لحظة سقوطهم ، ليكتشفوا متأخرين أنهم كانوا آخر من يعلم .

إن بناء الدولة لا يتطلب فقط وجود القادة الأكفاء ، بل أيضاً آلية لحماية القرار من تزييف الحقائق ، والمشكلة في العراق أن المسؤول غالباً ما يفضل سماع ما يرضيه لا ما ينفعه ، فيُحاصر نفسه بدائرة من المصفقين والمنتفعين ، ويغلق الأبواب أمام الصوت الحر والنصيحة الصادقة ، وهكذا يكرر التاريخ ذاته : الزعيم لا يرى ، والمترجم الكاذب يربح ، بينما يدفع الشعب الثمن .؟

أخيراً وليس آخراً .. إعلموا أنه قد يكون من حق المسؤول أن يختار من يستمع إليهم ، لكن من واجبه أن يختبر صدقهم قبل أن يصدقهم ، فالدولة لا تُبنى على التملق ، ولا تنهض ببطانة لا تجيد سوى صناعة الأكاذيب وتقديمها في ثوب من الولاء .

الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تكون الحقيقة أغلى من المجاملة ، والنصيحة الصادقة أثمن من التصفيق ، والمصلحة الوطنية أعلى من مصالح الأفراد والأحزاب ، فالتاريخ لا يسجل أسماء المصفقين ، بل يسجل نتائج القرارات ، وإن أرادت الطبقة السياسية في العراق أن تخرج من دوامة الفشل ، فعليها أن تفتح أبوابها للأصوات الحرة ، وأن تجعل من كشف الحقيقة لا كتمانها أساساً لصناعة القرار ، عندها فقط يمكن أن نأمل بدولة لا تخدع نفسها ولا يخدعها منافقوها …!