قال تعالى: هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴿الأحزاب: 11﴾..!
السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴿الأحزاب: 11﴾
جاءت هذه الآية الكريمة في سياق الحديث عن معركة الأحزاب، تلك المعركة الفاصلة وغير المسبوقة في تاريخ المسلمين آنذاك، والتي واجه فيها المسلمون تحالفًا عدوانيًا مدججًا بالسلاح، هدفه القضاء عليهم وسحقهم، وعاشوا حالة نفسية صعبة بلغت القلوب الحناجر منها، فانهار فيها البعض من المسلمين، وأظهر المنافقون موقفهم علنًا، وأخذوا يبثون في الأوساط الشبهات والأراجيف، واتهموا الله سبحانه ورسوله بأنهما غرّرا بالمسلمين، وأن وعودهما لهم بالنصر لم تتحقق،
ولكن على الرغم من ذلك حُسِمَت المعركة بطريقة لم يبلغها الخيال، وقلبت موازين القوى بين المسلمين والمشركين، فقصمت ظهرهم، وفتحت الباب لمزيد من الانتصارات انتهت بفتح مكة، وانتشار الإسلام في عموم الجزيرة العربية والعالم فيما بعد.
واللافت في الأمر أن تلك المعركة تكاد أن تتطابق مع الحرب التي تخاض علينا الآن، لولا اختلاف الزمان والمكان والأشخاص.
لقد أطلق القرآن على تلك المعركة اسم معركة الأحزاب، لأن كل القبائل والفئات والجماعات، التي وجدت في الإسلام خطرًا على عقائدها ونفوذها وسلطانها ومكاسبها، تحالفت فيما بينها على قتال المسلمين،
وكان أول من سعى إليها يهود (بني النضير) الذين أغروا قريشًا بحرب النبي (ص) ووعدوهم بأن يساندوهم بالمال والسلاح والأفراد، وحرَّضوا كذلك قبيلة (غطفان)، وقامت قريش وغطفان كل منهما تدعو حلفاءها على امتداد الجزيرة العربية تمكنوا من حشد آلاف المقاتلين، ذكر المؤرخون أنهم فاقوا عشرة آلاف مقاتل، على رأسهم عمرو بن ود العامري المقاتل الشجاع، في حين لم يتجاوز عدد المقاتلين المسلمين ثلاثة آلاف.
ولم يقتصر الأمر على القادمين من خارج المدينة، بل تواطأ اليهود، والمنافقون من أهلها مع المحتشدين من خارجها، الأمر الذي خلق تهديدًا شديد الخطورة، وأشاع جوًا نفسيًا ضاغطًا في أوساط المسلمين، ممّا حمل ضعاف الإيمان منهم على التواصل مع المنافقين واليهود لتأمين خط نجاة لهم فيما لو هُزِم المسلمون، مما يعني أن قِلَّة ثابتة على إيمانها قد بقيَت مع رسول الله (ص)، الذي جمع المسلمين وأطلعهم على احتشاد اليهود وقريش وغطفان وحلفائهم، وأحاطهم علمًا بمواقف المنافقين في المدينة، ثم استشارهم في كيفية مواجهة المحتشدين للحرب من خارجها.
لقد أشار عليه سلمان الفارسي (رض) بأن يحفروا خندقًا، فأخذ رسول الله برأيه، وبدأ المسلمون -على قلتهم- يحفرون، في ذلك الجو النفسي الضاغط، الناشئ من تحالف قوى العدوان الخارجي والداخلي عليهم، وقِلَّة عددهم، واهتزاز معنويات الكثير منهم، واستبداد الخوف بهم، حتى بلغت قلوبهم الحناجر، وظنَّ بعضهم بالله الظنون السيئة، متهمين الله سبحانه بأنه قد تخلّى عنهم وتركهم لمصيرهم،
في هذا الجو النفسي المشحون بالقلق أخذ النبي معولَه وبدأ يحفر مع المسلمين، ويروي بعض الصحابة أنه (ص) بينما يحفر تطاير شرَّرٌ، فكبَّر، فسأله المسلمون عن سبب تكبيره، فأجابهم أنه حين تطاير الشرر أضاءت لها الدنيا فرأى أن بلاد الشام واليمن قد فُتِحَت له، ورأى قصور كسرى وقيصر أي تتهدّم، أي أنه بشَّرهم -وهم في تلك الحالة النفسية الصعبة- بالنصر على أعدائهم المحتشدين، والنصر على من هم أقوى منهم من الفرس والروم.
وهذا ما حدث بالفعل، فقد وصلت الحشود العسكرية المعادية بقيادة أبي سفيان، وكان من أبرز المقاتلين من تلك الحشود عمرو بن ود العامري، وتمكن هذا الرجل من أن يجتاز الخندق حتى صار في ناحية المسلمين منه، وأخذ يتحداهم أن يبرز أحد منهم لمنازلته،
هنا ارتعب كثير من المسلمين منه، وخافوا من أن يبارزوه، وكان رسول الله (ص) ينادي فيهم ثلاث مرات: “مَنْ لِعَمرو؟!” فلم يُجبه إلا عَليٌ (ع)، فلقد بلغ بهم الخوف مبلغه، “وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا” فأعطى الرسول (ص) الإذن لِعَلِيٍ (ع)، فبرز إليه والرسول يقول: “بَرَزَ الإِيْمَانُ كُلُّهُ إِلَى الشِّرْكِ كُلِّه” وحدثت المبارزة بين عَلِيٍ (ع) وعمرو بن ودّ، وحسمها عَلِيٌ (ع) بضربة واحدة صرعت عمرو بن ودٍّ على الأرض، فهبَّت بأمر الله عاصفة هَوجاء اقتلعت خيام الكفار وأتلفت وسائلهم، وألقت في قلوبهم الرعب الشديد، وأرسل سبحانه الملائكة لعون المسلمين.
وانتهت هذه المعركة بانتصار المسلمين، والرسول الأكرم (ص) يتهلَّل وجهه سرورًا وغِبطة وهو يقول: “لَضَرْبَةُ عَلِيٍّ يَوْمَ الْخَنْدَقِ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ الثَّقَلَيْنِ”. ورُوِيَ بصيغة أخرى وهي قوله: “لَمُبَارَزَةُ عَلِيٍّ لِعَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَفْضَلُ مِنْ أَعْمَالِ أُمَّتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ”.
نستنتج مما سبق أن المسلمين يومذاك قد واجهوا أزمة وجودية، وشُنَّت عليهم حرب مصيرية، ولكن ذلك لم يكن نهاية الطريق، ولم يؤثِّر في يقين رسول الله (ص)، بل كان مؤمِّلًا، وقد تحقق أمله بالفعل في غضون سنوات قليلة، الأمر الذي يدعونا إلى الثقة بالله والتوكُّل عليه، والثبات في مواجهة الأزمات مهما تعاظمت.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الخميس الواقع في: 2/7/2026 الساعة (04:07)




