الأربعاء - 19 اغسطس 2026
منذ 12 شهر
الأربعاء - 19 اغسطس 2026

ضياء ابو معارج الدراجي ||

 

 

عند الحديث عن مفهوم “إسرائيل الكبرى” غالبًا ما يتم تداول خريطة واسعة تمتد من النيل إلى الفرات، وهي خريطة مشبعة بالأساطير أكثر مما هي معطيات تاريخية. لكن الخريطة التي أمامنا تستند إلى رواية أخرى، مرتبطة بالتفسير التوراتي لحدود “مملكة داود” في حدود القرن العاشر قبل الميلاد، وهو ما يقدّمه أنصار المشروع الصهيوني كمبرر تاريخي لإحياء فكرة التوسع.
الخريطة توضح أن المملكة المركزية كانت في فلسطين الحالية (القدس مركز الحكم)، فيما تمتد مناطق النفوذ إلى:
شمالًا: أجزاء من سوريا (دمشق وما حولها حتى تخوم حماة).
شرقًا: امتدادات تصل نحو أطراف البادية السورية، مع إشارات إلى الحدود مع وادي الفرات (نهر الفرات الأوسط).
جنوبًا: النقب وحتى مشارف سيناء المصرية.
غربًا: الواجهة البحرية على المتوسط، متداخلة مع فينيقيا (لبنان الحالي) وفلسطين الساحلية.

ما يلفت في هذه الخريطة أنها لا تصل إلى الخليج ولا العراق كما في الخريطة المتداولة عربيا، بل تقتصر على الشام التاريخي وفلسطين، مع الإشارة إلى العراق (بابل، آشور) باعتباره مجالًا حضاريًا ملاصقًا أكثر من كونه خاضعًا مباشرًا.

تسويق “إسرائيل الكبرى” بهذا الشكل لا يقوم فقط على فكرة السيطرة العسكرية، بل على ربط إسرائيل المعاصرة بسردية دينية توراتية، حيث يُقدَّم داود وسليمان كنموذج لمرحلة ازدهار وامتداد سياسي. أي أن الهدف هو ترسيخ شرعية رمزية أكثر من كونها واقعية، لتبرير مشاريع التوسع أو النفوذ في الإقليم.

الخريطة تكشف أن الحلم الصهيوني لم يكن مجرد حدود جغرافية، بل تصور لأمن استراتيجي يمتد خارج فلسطين الضيقة. فوجود “مملكة داود” – وفق هذا السرد – لم يكن ليستقر لولا السيطرة على دمشق وطرق التجارة المؤدية للفرات. بمعنى آخر: السيطرة على الممرات الحيوية أهم من السيطرة على الأراضي نفسها، وهذا ما ينعكس اليوم في اهتمام إسرائيل بتطويق سوريا، والعراق، ولبنان، أكثر من محاولة احتلالها مباشرة.

الامتداد نحو سوريا والفرات يوضح أن المشروع التوراتي ارتبط بالتحكم في طرق القوافل، التجارة بين مصر وبلاد الرافدين، والموانئ الفينيقية. هذا البعد الاقتصادي لا يزال حاضرًا في الفكر الإسرائيلي المعاصر، عبر محاولات ربط إسرائيل بمشاريع إقليمية كـ”خطوط الغاز”، و”الطرق البرية” من الخليج إلى المتوسط، وهو امتداد لحلم السيطرة على مراكز الحركة التجارية القديمة.

الخريطة الظاهرة تُظهر أن “إسرائيل الكبرى” – وفق الرواية التوراتية – ليست ذلك الامتداد الأسطوري من النيل إلى الفرات كما هو شائع، بل مشروع نفوذ في قلب الشام، قائم على السيطرة على الممرات الحيوية (دمشق – الفرات – المتوسط). وهذا يفسر طبيعة التدخلات الإسرائيلية المعاصرة: نفوذ غير مباشر، تحكم في القرار السياسي لدول الجوار، وتطويق اقتصادي-أمني، أكثر من الغزو المباشر. أي أن الحلم تحوّل من توسع عسكري إلى هيمنة استراتيجية بوسائل متعددة.

ضياء ابو معارج الدراجي