الجمعة - 19 يونيو 2026

زيارة أربعين الإمام الحسين (ع) ذكرى ينتسب إليها كل شريف..!

منذ 10 أشهر
الجمعة - 19 يونيو 2026

اكرم كامل الخفاجي ||

 

 

الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .

هناك في القلب حديثٌ صامتٌ لا تُنصفه الحروف .. حيث لم تنم ذكرى الطف في مشاعر المؤمنين ، حتى انتصر الإمام الحسين (ع) في كربلاء .. وتلك زيارة الأربعين ترجمة واضحة لذلك الانتصار .

أقول وعبراتي تسبق عباراتي : إن العظيم ليس من تشعر أنك بحضرته صغير .. وإنما العظيم بحق من يشعر الجميع بحضرته أنهم عظماء .. وأقسم إني أشعر بالعظمة عندما أرى هذه الجموع الهادرة وهي تأم زيارة الإمام الحسين (ع) في أربعينيته ، لأنه قد تفرّد فيها دون أهل البيت (عليهم السلام) .

فيا سيدي يا أبا عبد الله : فإني أوصيك بروحي فهي تسافر إليك أكثر مما تستقر عندي .. ولا شيء يشبه حضورك .. لأنك تأتي ومعك عالم من لهفة وتروح وتترك وراءك عالم من حنين .

كنت أعلم أن حبك من الفرائض ، وأن الاهتمام بك وبزيارتك مطلوبة ، وإن الاشتياق إليك لا يَرحم ، وأن الحنين إليك لا يُقهر ، وأن الانتظار موت بطيء حتى يأتي أوان زيارتك ، فأقول وكلي لهفة واشتياق : أحتاج إلى مودتك لأنك تراني بكمالك وأنا الممتلئ بالعيوب !.

يا سيدي : في العشق الحسيني يُلغى المنطق ويُترك القلب لينطق .. في العشق الحسيني ننسى من نكون ، ونجهل ذاتنا فتقف عقولنا مكبّلة أمام جنون قلوبنا .. في العشق الحسيني يُصبح للبكاء لذة وأي لذة ! ويمسي للشهقات فن وأي فن !.

كثيرة هي المناظر التي جالت في أذهان الذي مشوا إلى قبلة الأحرار في أربعينيته .. والذي أثار انتباهي أن خدمة الإمام الحسين (ع) خدمة إلهية ، من خلال مصداق قول الإمام الحسين (ع) حين قال : من كان باذلاً فينا مهجته موطناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا .

أن هذا القول شرع منذ أربعة عشر قرناً ولكنه حاضرٌ اليوم في صيغة (البذل) و(المهجة) .. ففي البذل فإني أعتقد أن الذي جرى في أربعينية الإمام الحسين (ع) يفوق الوصف ، إلى درجة أن إمرة عجوز لا تملك إلا (كارتون) قد إنتهى من أكواب مائه لتجعله مروحة (تهفي) على الماشين إتقاء موجة الحر .. المهم أنها سجلّت إسمها في سجل خدمة زوار أربعين الإمام الحسين (ع) .

يقول احد الآيات العِظام : إن مجرد تسجيل اسم أحدكم في سجل ديوان خدمة الإمام الحسين (ع) ، مقامٌ وشرفٌ لا تعدله ثروةٌ ولا سلطةٌ !
فقد عُرف عن الإمام الرضا (ع) أمرين : العلم ، وإجابة الدعوة . فدعوة حجة الله في أرضه مستجابة لا تُرد ولا تُبدل .

فقد قال الإمام الرضا (ع) : (رحم الله عبداً أحيا أمرنا) .. وعبارة (رحم الله) بصيغة الماضي ، ولم يقل يرحم الله من أحيا أمرنا ! فهذه النسبة هي قسمان : نسبة تقديرية هي مدلول هيئة المضارع ، ونسبة تحقيقية وهي مدلول هيئة الماضي ، وقد أكدها الإمام (ع) بأن جاء بها بصورة الإخبار ، ثم بصيغة الدعاء ، ودعاء المعصوم لا يُرد !

والذي جرى في مراسم مسيرة الأربعين ، ما هو إلا إحياء لأمرهم (عليهم السلام) .. فأمرهم أمر الله تعالى . والذي خدم الناس قطعاً سيندرج في خانة (محيٍ لأمر الله) .. فهل يتصور أحدكم كيف يحصل على مقام أعلى من هذا المقام ، مقروناً بذلك الدعاء من حجة الله (ع) ؟!

وفي كل سنة يتكرر الانتقاد من قبل البعض حول عامة الناس والمؤمنين الذين يذهبون الى المنازل التي توزع الطعام بثواب الإمام الحسين (ع) ، لأجل أن يحصلوا على (ثواب الأكل) ..
هنا يمكن الالتفات الى نقاط بسيطة كبساطة قلوب المُطعمين بثواب الحسين (ع) :

* أن طبخ الطعام للإمام الحسين (ع) وبثوابه ، يعتبر من الشعائر الحسينية المباركة والعظيمة عند الله ولها أجر يفوق حد التصور عند الله وأهل البيت (عليهم السلام) .
* إن هذا الطعام الذي يُطبخ بثواب الإمام الحسين (ع) والله مجرب لشفاء المرضى وقضاء الحوائج الصعبة ، لأنه أصبح بإسم الإمام الحسين (ع) ، ثم إن الإمام الحسين (ع) قطعاً يفرح عندما يرى محبيه وشيعته وعامة الناس يأكلون من زاده .
* تتوحَد النظرة الى الشخص عندما يأكل من هذا الزاد .. بمعنى أن المُسافر وهو قاصد الى زيارة مرقد سيد الشهداء (ع) ، فإن عنوانه يتغيّر من الباكستاني أو الإيراني أو اللبناني الى زائر الحُسين (ع) .
* في المدرسة بمجرد دخولك فإنك تبدأ بتعليم الدروس ، أما في المدرسة الحسينية فإنك تبدأ بالامتحانات ثم تُعطى الدروس .

فلا علاقة للإنجازات بما نكسبه في الحياة ، أو بما ننجزه لأنفسنا ، فالنجاح في معناه الفعلي ما نقوم به للآخرين .. ولا أعتقد أن هناك إنجازاً يمكن أن يرتفع بنا الى الجنة أكثر من الخدمة الحسينية .. لإننا نقترب من العظمة كلما زاد الحسين (ع) فينا .

ولهذا يمكن الدخول لقلوب الآخرين من دون أن تنطق بكلمة واحدة ، إذ أنّ ما تقدمه من زاد الإمام الحسين (ع) هي من تنطق بدلًا عنك .

والحقيقة فإني لا أفكر بالعمر المتبقي لي ، ولكني أتمنى أن يكون كله في خدمة الحسين (ع) .
* لاحظ معي : إذا تمّ كسر قشرة البيضة من الخارج فإن حياتها قد إنتهت ، حيث ستُلقى في صفيحة المقلاة للأكل .. أما إذا كُسرت قشرة البيضة من الداخل – عندما يخرج الفرخ – فإن هناك حياة قد بدأت … فالأمور العظيمة تبدأ من داخلك ! وهذا ما يشعر به الذي يطبخ بثواب الإمام الحسين (ع) وهي ممزوجة بدموع البكاء على مصيبته .. فالقلوب التي تغسّلها الدموع الحسينية لا يتراكم عليها الصدأ .
تعال الآن نقوم بمقاربة بسيطة بما يحمله تقديم الطعام من أجر وثواب ! .

قال الله سبحانه في محكم كتابه المجيد (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً) .. هذه الآيات في سورة الإنسان نزلت في حق علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) والشأن هو (الإطعام) ، فكان قرآناً يتلى آناء الليل وأطراف النهار الى يوم القيامة .. والحسين (ع) واحد منهم ،

فكان جزاء ذلك الإطعام بنص السورة نفسها (فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمِ وَلَقَّىٰهُمۡ نَضۡرَةٗ وَسُرُوراً (11) وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةٗ وَحَرِيراً (12) مُّتَّكِينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۖ لَا يَرَوۡنَ فِيهَا شَمۡساً وَلَا زَمۡهَرِيراً (13) وَدَانِيَةً عَلَيۡهِمۡ ظِلَٰلُهَا وَذُلِّلَتۡ قُطُوفُهَا تَذۡلِيلاً (14) وَيُطَافُ عَلَيۡهِم بِـَٔانِيَةٖ مِّن فِضَّةٖ وَأَكۡوَابٖ كَانَتۡ قَوَارِيراً (15) قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٖ قَدَّرُوهَا تَقۡدِيراً (16) وَيُسۡقَوۡنَ فِيهَا كَأۡسٗاً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً (17) عَيۡناً فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلۡسَبِيلاً (18) وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيۡتَهُمۡ حَسِبۡتَهُمۡ لُؤۡلُؤاً مَّنثُوراً (19) وَإِذَا رَأَيۡتَ ثَمَّ رَأَيۡتَ نَعِيماً وَمُلۡكاً كَبِيراً (20) عَٰلِيَهُمۡ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضۡرٞ وَإِسۡتَبۡرَقٞۖ وَحُلُّوٓاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٖ وَسَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ شَرَاباً طَهُوراً (21) إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمۡ جَزَآءٗ وَكَانَ سَعۡيُكُم مَّشۡكُوراً (22)) .

وهذا ما يوافق مقاييسنا الماديّة نحن البشر إذا نظرنا الى ذلك الجزاء بالنظرة الظاهرية للآيات .. ولكن وفق المقاييس الإلهية فلا دخل لذلك في عِظَم الثواب والجزاء ؛ وإلاّ فما بالنا في نزول سورة الإنسان لأجل تخليد صدقة هي كسرة خبز ؟!
ثم إني عندما أُطعم الطعام فهو إذعاناً وإمعاناً في محبة الله سبحانه لقول الرسول الأكرم (ص) : (أحبّ الله من أحبّ حُسيناً) ..إذ لمحبة الإمام الحُسين (ع) ومودتهُ – رغم وجوبها على كُل مسلم – امتيازات خاصّة تميّزه عن محبة غيرهُ ، وهي في مقدمة الطاعات والعبادات بل فوق كل طاعة وعبادة ، ولها أجر خاص ليس لغير محبّتهُ (ع) من العبادات والطاعات مثل أجرها .

وكيف لا يكون كذلك وقد قدّم الإمام الحُسين (ع) في محبّة الله كل شيء حتى نفسهُ الزكية ، وضحّى من أجل محبّة الله كل ما عنده حتى طفلهُ الرضيع ؟ وبتضحياتهُ العظيمة ، استطاع (ع) تثبيت محبّة الله في قلوب المؤمنين جيلاً بعد جيل حتى صار حبّه طريقاً إلى محبّة الله تبارك وتعالى ؟ .
يُنقل أن الردود عبد الرضا النجفي (رحمه الله) قد أصيب بوعكة صحية فصادف لقائه مع سماحة المرجع أبي القاسم الخوئي (قدس سره) فقال له : سيدنا أدعو لي فأنا مريض .

فقام السيد الخوئي بالدعاء له بالشفاء والعافية ، ثم أعقب السيد الخوئي (قدس سره) بشيء من البشاشة والود قائلاً : يا حاج عبد الرضا انتم خدام الإمام الحسين (عليه السلام) تدخلون الجنة قبلنا .
وربما أطرف وأجمل ما سمعت في عطاء العراقيين لخدمة الحسين (ع) ، تلك العجوز التي توزع الشاي ، عندما سألها أحدهم : (حجية بمكان هذا الصرف روحي أنطي للفقراء والأيتام والأرامل) ؟ .
فردت وبقايا بسمة تترنح بين شفتيها :

– يمّه نحسبه حساب عرب آني صارفة كعك كيلو بـ ٤٠٠٠ كول ٥٠٠٠ دينار
درزن ستكاين بـ ٢٠٠٠ دينار كول درزنين ٤٠٠٠ دينار
خمس كيلوات شكر بـ ٥٠٠٠ دينار
خمس كيلوات جاي بـ ٧٥٠٠ دينار
طاسه (بادية لغسل المواعين) مال البيت والقوري مال الجاي هم من البيت وماي بلاش
المجموع = ٢١٥٠٠ ألف كول ٢٥ الف دينار ..
يعني هاي الـ ٢٥ ألف لو توزعهن على الأيتام ، كد ١٠٠ يتيم كل واحد إله ٢٥٠ دينار حتى يستحي يأخذه اليتيم .. يگوم هو ينطيك ما ياخذ منك .. إذا تريد تخدم الأيتام اخدم بفلوسك مو على حساب غيرك !.
والسنة ١٢ شهر ١٠ أشهر الأيتام محد يدافع عنهم ويطالب بحقهم بشهر محرم وصفر لازم ما نطبخ للحسين ننطي للأيتام ، جاوين جانو الأيتام باقي الأشهر ؟!

يقول الشيخ المفيد (رض) انه في عالم الرؤيا كأن القيامة قد قامت فلا أم تعرف ولدها ولا زوج يعرف زوجته ورأيت مليارات الناس ينتظرون دورهم في الوقوف بين يد اللّٰه تعالى .. يقول : بما اني مرجع لِمَ انتظر ؟ فرحت ادخل الجنة فإذا رضوان خازن الجنة صاح عليّ : إلى أين يا عبد اللّٰه ؟

فقلت له : انا الشيخ المفيد ألا تعرفني ؟
قال : نعم اعرفك لكن لابد من الإنتظار .
فقال الشيخ : مر زمن طويل وانا انتظر واذا رأيت ناس مهرولين يدخلون الجنة فاغتنمت الفرصة ورحت معهم .. واذا برضوان يصيح : إلى أين يا هذا ؟
فقلت : انا الشيخ المفيد الذي قضى حياته في خدمة الدين !
قال : أعرف إنتظر .
فقلت من هم هؤلاء المهرولون ؟
قال : هم (خدام مجالس الحسين) .

أقول للذين لم يقرؤوا الحسين (ع) في أربعينيته ، أن يعيدوا حساباتهم مع أوراق تأريخ وجغرافية المكان ، وأن يعيدوا صقل أذهانهم ويجلوها بالتضحية الحسينية والعباسية والزينبية ، ليفهموا كيف يكون الحسين (ع) مع الشعوب ، وكيف تكون الشعوب مطبوعة به .

اللّهُمَّ اجْعَلْنِي عِنْدَكَ وَجِيها بِالحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي الدُّنْيا وَالآخِرةِ .