الأربعاء - 19 اغسطس 2026
منذ سنة واحدة
الأربعاء - 19 اغسطس 2026

🖋 ماجد الحداد ||

 

 

في عامِ 1964 م ، تحديدًا في إيران إبان الحكم البهلوي ، قدّمت الحكومة الايرانية طلبًا للاقتراض من الولايات المتحدة الاميركية بمبلغ 200 مليون دولار تُقدّم على خمس سنوات ، و تستعيده أمريكا بعد عشر سنوات 300 مليون دولار ، و اشترطوا -الامريكان- على قبول قانون [كابيتولاسيون – Capitulation] (الحصانة القانونية للامريكان) ، و قد وافق النظام البهلوي على هذه المعاهدة المذلة ،

و يعني ذلك لَو أن موظفًا امريكيًا (سفيرًا كان أو خادمًا) قَتلَ مواطنًا إيرانيًا فلا يحق للشرطة الايرانية توقيفه ، و لا يحُق للقضاء الإيراني محاكمته . فحتى إذا قَتلَ الأمريكي شاه إيران ، فيجب على إيران إرساله الى دولته للنظر في قضيته دون المساس به داخل إيران ، إذا قَتلَ شرطيًا إيرانيًا أو مرجعًا دينيًا ، فيمنع منعًا باتًا إتخاذ أية اجراءات بحقه .

هنا انبرى الإمام الخميني بخطبته المشهورة رافضًا لهذه المعاهدة المذلة للشعب الإيراني ، و داعيًا العلماء و طلبة العلوم الدينية و الشعب الإيراني إلى معارضة هذا المشروع ، فانتفضوا بعد خطبته رافضين هذه المعاهدة ، و التي أدّت لاحقًا الى نفي الإمام خارج إيران ، و كانت تلك الخطوة الأولى لإنتصار الثورة الإسلامية فيما بعد .

تمُر السنين ، و تتغير المعادلات السياسية في العالم ، و تختلف أساليب الإدارة الأميركية بالتعامل مع بلدان العالم ، و لكن ما أستمر و لم يتغير هو (الهيمنة الأميركية) على إرادة و مقدرات الشعوب ، و على القرار السياسي للدول ، الإستعمار العسكري تحوّل إلى انتداب ، و الحروب يحُل محلها العقوبات الإقتصادية ، و بدلًا من إحتلال بلد كامل ، يكتفي الأمريكي بنصب قواعد عسكرية بداخل ذاك البلد رغمًا عن أنف الشعوب.

فقانون الحصانة الذي عرضته بصورة علنية رسمية على إيران و تركيا و ألمانيا و باكستان قبل سنوات ، اليوم تفرضه على بلدان اخرى ، و لا يحتاج المشروع الى معاهدة بين طرفين ، لأن صاحب القرار هو مَن يمتلك الدولار .

أما في العراق ، تحديدًا في الجانب الأمني ، أمريكا فرضت نفسها على العراق لإدارة الحرب قبل أكثر من عشر سنوات ، و كان طيران تحالفها يستهدف التنظيم تارةً ، و يستهدف القوات التي لا ترضخ لأمرها و تتقدم بإستقلالية للتحرير .

لن أتطرّق لحوادث إستهداف الحشـ الشعبي ـد ، و لكن سأذكر مما إستهدفه الأمريكي من القوات الأمنية العراقية الأخرى و المدنيين ، و فقط للفترة المحدودة من عام 2015 – 2019 ، فمنهم 30 جنديًا و ضابط بالجيش العراقي في الفلوجة 2015 ، 15 أمرأة و عددًا من الأطفال في مجلس عزاء في قضاء داقوق 2016 ، 18 منتسبًا بالحشد العشائري في الموصل 2016 ، و ما يقارب 175 مدنيًا في الموصل 2017 ، 15 جنديًا عراقيًا معهم ضابط في الجيش إستهدفهم الطيران الأمريكي في الأنبار 2018 ، في عام 2019 إستهدفت عجلة تابعة للشرطة الإتحادية ، و غيرها الكثير و الكثير .

برر الأمريكي الحادثة الأولى بأنها خطئًا فنيًا بسبب الطقس ، و الثانية بفعل نيران صديقة ، أما الثالثة فلَم يَعُد الأمريكي يبرر بنفسه ، بل كلّف أحد خدّامه من ضابط شهير في أحد الأجهزة الأمنية ، و آخر هو أحد (الخبراء الإستراتيجيين) للدفاع عنه ، و تلميع صورة الامريكي الذي يحترم حقوق الإنسان و حماية المدنيين و قواعد الإشتباك .

و مع كل حادثة شُكِّلَت لجان تحقيقية من قبل الحكومة و البرلمان العراقي ، و بالطبع لغاية الآن لم تُعرَف نتيجة هذه اللجان ، فمتى أحترم الأمريكي قرارًا عراقيًا ؟ هل أعار الأمريكي إهتمامًا لقرار البرلمان القاضي بإخراج الأمريكان من العراق ؟ هل هناك جدوى من المفاوضات التسويفية مع الأمريكان ؟ هل يعتبر – الأمريكي – المفاوض العراقي إنسانًا بالأساس ؟ حتى أصبح الأمريكي هو مَن يختار اللجنة ، و هو مَن يُحدد موعدًا للقاء ، و في النهاية هو مَن يصوغ الخبر و يعطي النتائج .

كم عدد الضحايا العراقيين الذين قتلهم الأمريكان تحت مسمى (التحالف الدولي) و لفترة أربع سنوات فقط ؟

ناهيك عن الإعتداءات المتكررة من عام 2020 فما فوق .

في فترة الإحتلال الأولى الممتدة من عام 2003 – 2011 ، كانت الأراضي العراقية محرّمة على الأمريكان بفعل العمليات العسكرية للفصائل بالألغام و العبوات المزروعة ، لكن في الفترة الثانية ، و خصوصًا بعد عام 2020 أصبحت العمليات العسكرية في الأرض قليلة نسيبًا ، أو قد تكاد تكون معدومة لكون الآليات الأميركية لا تسير إلا مع القوات الأمنية العراقية !

و رغم النداءات التي وُجّهت إلى القيادات السياسية في البلد بعدم زجّ الجنود العراقيين بين الأمريكان ، إلا أنه (لا حياة لِمَن تُنادي) . و لا تكتفي أمريكا بذلك ؛ أصبحت تأمر الحكومة العراقية بمطاردة و محاسبة الجهات التي تستهدف مصالحها في العراق ، و بذلك تدفع أمريكا إلى حدوث صراع مسلح بين العراقيين و الأجهزة الأمنية ، و هذا ما تنبّه إليه العقلاء محاولين كشف جزء من هذه المؤامرة للشعب المغلوب على أمره . هذا الشعب الذي يأخذ إهتمامه و تركيزه على الحوادث الجانبية و التفاصيل الصغيرة ليجعلها تتصدر المشهد بدلًا من التركيز على المشكلة الحقيقية و القضايا المصيرية الهامة .

و للحديث بقية ..