بين دعوات نزع السلاح ودروس الجغرافيا الدامية..!
د. إسماعيل النجار ||

بين دعوات نزع السلاح ودروس الجغرافيا الدامية: مقاومة لبنان في عين العاصفة
في قلب النقاش اللبناني المزمن، يتجدد الحديث حول سلاح “المقاومة” – سلاح حزب الله – كقضية وطنية مركزية تشطر اللبنانيين بين من يراه سلاحاً يحمي لبنان، ومن يعتبره عقبة أمام بناء الدولة.
في الآونة الأخيرة، ارتفعت وتيرة المطالبة بنزع هذا السلاح من قبل بعض الأطراف المسيحية والدروز والسُنَّة، بحجّة أن أي سلاح خارج الدولة يُفقدها هيبتها وشرعيتها، ويكرّس واقعاً موازياً يعمّق الانقسام الطائفي والمؤسساتي.
لكن السؤال الجوهري الذي يُطرح هنا؟ ألم يتعظ هؤلاء من دروس التاريخ والجغرافيا القريبة؟ ألم ينظروا جيداً إلى ما حلّ بأبناء طوائفهم في سوريا عندما تخلّوا عن خيار المقاومة وتركوا أنفسهم في مواجهة العاصفة حفاة وعزّل؟،السويداء والساحل عبرتان لمن يعتبر!،
السويداء أصبحت عزلة سلاح ونزيف كرامة هي معقل الدروز السوريين، فيها قرّر أهلها منذ بداية الحرب في سوريا عام 2011 أن ينأوا بأنفسهم عنها، وأن يعتمدوا خيار “الحياد المسلح” أوالدفاع المحلي المحدود.فلم يدخلوا في صراعات النظام أو المعارضة، ولم ينخرطوا في المقاومة العسكرية الفعلية والنتيجة ماذا كانت؟
تحوّلت السويداء إلى ساحة استنزاف، محاصَرة اقتصادياً، مهدَّدة أمنياً، يتلاعب بمصيرها أمراء الحرب التكفيريين والبدو الخارجون عن القانون.لم تشفع لهم خطابات الحياد، ولا تاريخهم الوطني. لا النظام دافع عنهم، ولا المجتمع الدولي اكترث لمعاناتهم. ومن دون أي عمق استراتيجي أو حماية حقيقية، أصبح جبل العرب مكشوفاً لِمَن يريد الانقضاض عليه!، وهذا الأمر عجلَ بهجوم عصابة الجولاني وبدو المنطقه والعشائر.
الساحل السوري المكلوم ماذا حصل عندما سلم أهله السلاح؟بغالبيته العلوية مثالاً آخر. لأن هناك البعض لم يتخلّ عن سلاحه، بل قاتلوا بضراوة دفاعاً عن وجودهم، بدعم إيراني وروسي كامل. ومن منطقٍ وجودي بحت، تعاملوا مع الحرب على أنها مسألة “حياة أو موت”.
وبينما سقطت مدن سورية كبرى، بقي الساحل محصّناً نسبياً، بعيداً عن الانهيار الكامل. وهذا ما تؤمن به قوى المقاومة في لبنان: أن السلاح، في منطقة كالشرق الأوسط، ليس ترفاً بل ضرورة وجودية.
في لبنان “سلاحنا ضمانتنا” ليس شعاراً بل عقيدة.
الطائفة الشيعية في لبنان، وعبر تجربة تاريخية حافلة بالمآسي، من مجازر أيلول في النبطية وصيدا، إلى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، ثم الحرب الأهلية الطائفية، خرجت بقناعة راسخة أن السلاح هو مَن حَمَىَ أبناءها من الذبح والتهجير. فشعار “سلاحنا ضمانتنا” ليس مجرد دعاية حزبية، بل خلاصة تجربة وجودية شعرت فيها الطائفة أنها تُستهدف ككيان وكرمز. وفي ضوء المتغيّرات الجيوسياسية في الإقليم، من اليمن إلى سوريا إلى غزة، يبدو أن هذه المعادلة لا تزال راسخة وستبقى،
فالدعوة إلى نزع السلاح عن قصد أم غير قصد تعتبر سذاجة،
حين يدعو البعض، من بعض القوى المسيحية والدروز والسُنَّة، إلى نزع سلاح حزب الله، ويتجاهلون أن لبنان بلد هش، ليس فيه دولة مركزية قوية، ولا جيش قادر على صد عدوان أو حفظ التوازنات الداخلية.فهل يراد له أن يتحوّل إلى سويداء جديدة؟هل يُطلب من المقاومة أن تُسلم سلاحها ثم يُترك أهل الجنوب والضاحية والبقاع بلا حماية في وجه التحولات الكبرى؟
وهل نسي هؤلاء أن غالبية المجازر الطائفية في التاريخ الحديث حصلت حين كانت الجماعات مستضعفة ومجردة من أدوات الدفاع عن نفسها؟
بين الواقعية والأماني لا أحد يهوى السلاح لذاته. ولا أحد يحب أن يعيش في ظل دولة مزدوجة. ولكن في زمن السكاكين الطويلة، وفي منطقة تنهار فيها الدول كأحجار الدومينو، لا يمكن أن يُطلب من طائفة أن تنتحر سياسياً وعسكرياً بحجة الوطنية فقط، في حين أن الآخرين يتمترسون خلف مصالحهم وتحالفاتهم. ربما يجب أن يُسأل المطالبون بنزع سلاح المقاومة!ما هو بديلكم؟ وأين كنتم حين كنا نقاتل إسرائيل في خلدة وبنت جبيل؟
وإن سقط سلاح المقاومة من الذي يضمن ألا تعود مجازر الماضي بوجه جديد؟
إلى الذين يطالبون بنزع سلاح المقاومة ألم تتّعظوا من ما جرى في السويداء والساحل؟في كل مفصل داخلي حاد، يتجدد في لبنان ذلك السجال العقيم: هل آن الأوان لنزع سلاح المقاومة؟ يخرج بعض الساسة والمراجع، من دوائر مسيحية ودرزية تحديدًا،
ليجاهروا بأن سلاح حزب الله لم يعد ضرورياً، وأنه يُفقد الدولة هيبتها، ويكرّس واقعًا ميليشيويًا مرفوضًا. لكن المدهش، والمُحزن في آن، أن هؤلاء يتجاهلون تجارب قريبة، قاسية، ودامية، كان يمكن أن تكون أقوى حجّة ضد منطقهم، لو أرادوا التعلم. لذلك نحن نسألهم هل نسيتم ما حلّ بالساحل السوري، وبمدينة السويداء تحديدًا، حين اختار بعض أهلها الحياد، ونزع السلاح، و”الرهان على الدولة وحدها”؟ النتائج كانت واضحة ذبح نهب سلب إغتصاب تعفيش منازل وحرق أرزاق بلا رحمة عزلة، جوع، تهديد مستمر، وكيان مهدّد بالانهيار أو الإبتلاع.
أعود إلى السويداء، معقل الدروز السوريين، الذين اختاروا الحياد العسكري في حرب كبرى. لم تنضم للنظام، ولا للمعارضة. لم تستدعِ قوى خارجية، ولا سلّحت نفسها بقدرات دفاعية استراتيجية. ماذا كانت النتيجة؟
تحولت المحافظة إلى ساحة مقايضات، يُراد لها أن تكون خاصرة رخوة، تُخنق اقتصاديًا، وتُهدد أمنيًا من داعش حينًا، ومن شبيحة البدوتلك المجموعات الخارجة عن القانون دائمًا. ثم النظام الحالي! لم يحمِ الحياد أهل الجبل، بل زاد غربتهم. لم تُنقذهم خطابات الوعي، ولا وحدة الطائفة، ولا حتى صرخات رجال الدين. لقد بدوا وحدهم في مهبّ العاصفة، لأنهم افتقروا إلى ما هو أعمق من الموقف فصنعوا بأنفسهم قوة الرّدع وقاتلوا وصمدوا وانتصروا.
هذه ليست دعوة لتكرار النموذج، بل دعوة لقراءة العِبرة. فالتاريخ القريب يقول: في هذا الشرق، لا تحميك بيانات الأمم المتحدة، بل ميزان القوى. ولا تحميك الدولة الضعيفة، بل قدرة الردع.
“سلاحنا ضمانتنا”… ليست جملة إنشائية
حين يقول حزب الله إن “سلاحنا ضمانتنا”، لا يتحدث بلغة الشِعر، بل بلغة الدم والذاكرة الجماعية للطائفة الشيعية في لبنان.من مجازر السبعينيات والثمانينيات، إلى الاجتياح الإسرائيلي، إلى محاولات العزل والحصار، تعلم الشيعة أن التمسك بالسلاح ليس ترفًا أيديولوجيًا، بل ضمانة في بلد قد يتحول فيه التوازن الطائفي إلى مذبحة إذا اختلّت المعادلات.
السيد حسن نصرالله قالها مرارًا ليس لدينا مشروع انقلاب على الدولة، لكننا لن نسلم رقابنا للذبح. هذا السلاح هو سلاح الدفاع عن أهلنا وأرضنا وكرامتنا.”
فهل يريد من يطالب بنزع السلاح من المقاومة أن تعود الطائفة الشيعية إلى ما قبل 1982؟ إلى زمن كانت فيه مستباحة من كل أطراف الداخل والخارج؟ حين تصدر هذه المطالبات من بعض القوى السياسيه اللبنانية، يجب أن نسأل هؤلاء هل يملكون بديلاً عن السلاح يحمي الشيعه؟ هل يعتقدون حقًا أن الجيش قادر على حماية لبنان في حال حصول اعتداء خارجي عليه؟
أم أن خلف هذا الخطاب حسابات سياسية ضيقة، تخدم مشاريع إقليمية أو تجاري المزاج الدولي؟
أيها الإخوة لا أحد يهوى السلاح. ولا أحد يسعى إلى دولة مزدوجة. لكن في بلد كلبنان، بدستوره الطائفي الهش، وجغرافيته المكشوفة، وتاريخه المليء بالمذابح، السلاح الرادع ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية.وقبل أن يُرفع الصوت ضد سلاح المقاومة، فليُجب أصحاب النداء أين كنتم حين قاتلت المقاومة إسرائيل؟ وأين البديل إذا خُيّرنا بين السلاح وبين الذبح؟
أكيد ليس لديهم جواب.
قرارنا لن نترك السلاح.
بيروت في،، 30/7/2025




