الأربعاء - 01 يوليو 2026
منذ سنة واحدة
الأربعاء - 01 يوليو 2026

طه حسن الأركوازي باحث بالشأن السياسي ||

 

 

لم يكن قرار ترامب بتأجيل المشاركة المباشرة في الحرب بين إسرائيل وإيران لمدة أسبوعين مُجرد حسابات عسكرية ، بل أنعكاساً لأنقسامات حادة داخل التيار القومي الأميركي نفسه ، وبالأخص بين أنصار حركة “أميركا أولاً” التي تمثل حجر الأساس في قاعدته الانتخابية .
فبينما تتصاعد وتيرة المواجهة في المشرق يعيش الداخل الأميركي صراعاً أيديولوجياً مُحتدماً حول جدوى التورط في حرب جديدة قد تُعيد الولايات المتحدة إلى دوامة الاستنزاف التي لطالما وعد ترامب بالخروج منها .

الصحافة البريطانية وبالأخص صحيفة التلغراف ، سلطت الضوء على خمسة أسباب رئيسة دفعت ترامب إلى تأجيل قراره ، أبرزها الخلافات داخل معسكره إذ عبّرت قيادات جمهورية بارزة مثل النائبة “مارغوري تايلر غرين” عن رفضها القاطع لأي تدخل عسكري ، مؤكدة أن الانخراط في حرب الشرق الأوسط يتناقض تماماً مع جوهر “أميركا أولاً”.؟

هذا التوجه لم يعد هامشياً داخل الحزب الجمهوري ، بل بات تياراً يُعيد صياغة الموقف الأميركي من قضايا الخارج ، ويرى أن الأولوية هي إعادة بناء الداخل ، وليس خوض حروب لحساب حلفاء لا يشاركون واشنطن أعباء المعركة ، لكن مع ذلك فإن تأجيل القرار لا يعني الحياد ، فالدعم الأميركي مستمر “سياسياً ولوجستياً وتقنياً” ، لم يتوقف يوماً ، من قواعدها في المنطقة ، إلى أساطيلها في الخليج ، إلى منظوماتها الدفاعية المنتشرة من الأردن إلى الإمارات ، فإن أمريكا تواصل تقديم كُل ما تحتاجه إسرائيل لخوض معركتها ضد إيران عبر جسور جوية مستمره ، حتى دون إعلان المشاركة المباشرة .
تصريحات ترامب التي وصفها البعض بأنها مراوغة أنتخابية تأتي في سياقٍ تسعى فيه واشنطن لتجنب غضب الشارع دون أن تُغضب تل أبيب .
لكن خلف هذه الحسابات السياسية تقف إسرائيل ، التي تقود حملة ممنهجة لتعطيل أي مسار تفاوضي بين طهران وواشنطن ، وخاصة بشأن الملف النووي .؟
لقد أدركت إسرائيل أن العودة إلى الاتفاق النووي تعني تقويض أستراتيجيتها القائمة على تحجيم إيران بالردع العسكري ، ولذلك فإنها تسعى لدفع الولايات المتحدة إلى معركة شاملة ، تأمل أن تُنهي ما تعتبره “التهديد الوجودي الإيراني”.
هذه التطورات تحمل أنعكاسات خطيرة على أمن المنطقة وخاصة العراق ، فالعراق ، بحكم موقعه الجيوسياسي ووجود القواعد الأميركية على أراضيه ، لا يمكن أن يبقى بمنأى عن هذا التصعيد ، وقد أظهرت الهجمات الأخيرة التي أستهدفت قواعد أميركية في غرب العراق أن البلاد قد تتحول إلى ساحة رد غير مباشر بين طهران وواشنطن ، وهو سيناريو يتكرر منذ سنوات لكنه بات اليوم أكثر خطورة مع أقتراب الخطوط من نقطة الاشتعال الشامل .
بل أكثر من ذلك ، فإن العراق الذي يسعى بصعوبة للخروج من مستنقع الانقسام والفساد قد يجد نفسه مُجدداً ضحية لصراعات المحاور ، فيما السياسيون في بغداد ما زالوا عاجزين عن بناء موقف وطني موحد يضمن حماية السيادة وتحييد البلاد عن لعبة المصالح الكبرى ، ولعل في التجارب السابقة ، من غزو 2003 إلى معركة داعش ما يكفي من الدروس التي تُحذر من الارتهان إلى قرارات الخارج .

يبقى السؤال المركزي اليوم ، هل نحن أمام لحظة أنفجار إقليمي تقلب كل المعادلات ، أم أن العقلاء في واشنطن وطهران قادرون على تأجيل المعركة الكبرى ، ولو مؤقتاً ، ريثما تُكتب معادلة جديدة توازن بين الأمن القومي والمصالح الدولية .؟
في الحالتين ، العراق ليس مجرد مراقب ، بل طرف في مسرح لا يرحم الغافلين ..!