الأحد - 21 يونيو 2026

رأي الإمام السيستاني في مبدإ ولاية الفقيه

منذ 6 سنوات
الأحد - 21 يونيو 2026



د. علي المؤمن

بعد نشر الحلقات السابقة من سلسلة “المرجعية الشيعية وخيارات ما بعد السيستاني والخامنئي”، واستعرضت مواقف المراجع من مبدإ ولاية الفقيه؛ إنبرى بعض غير المطلعين بالرد بأسلوب انفعالي؛ تماهياً مع الحالة المتأثرة بضغوطات السياسة ودعايات الخصوم الطائفيين؛ برغم أني أثبت بالأدلة أن موضوع ولاية الفقيه هو موضوع فقهي تخصصي بحت، ولا علاقة له بالسياسة ومتغيراتها وعموم الشان العام، ولا بتضارب المصالح الخاصة والعامة، ولا بأمزجة عامة الناس.
وأعود لأكرر ما ذكرته في الحلقة السادسة بأن جميع الفقهاء دون أي استثناء يؤمنون بولاية الفقيه ويطبقونها عملياً؛ لكنهم يختلفون في مساحتها. ومساحة الإختلاف هو نقطة واحدة فقط، وهي المتعلقة بمساحة النظام العام؛ فمنهم من يوسعها لتشمل موضوع الدولة والحكم، وهم القائلون بولاية الفقيه العامة أو المطلقة، ومنهم من يضيقها لتقتصر على الحسبة وحفظ النظام الإجتماعي العام، وهم القائلون بولاية الفقيه الخاصة.
ومن جملة الردود الإنفعالية على ماذكرتُه، والتي تدل على عدم إطلاع أصحابها على أبسط أحكام الإجتهاد والتقليد، وكذلك عدم معرفتهم بآراء سماحة الإمام السيد علي السيستاني؛ تلك الردود التي ظلت تلح على أن سماحته لايقول بولاية الفقيه، وهم لايعرفون حتى معنى عنوان الفقيه ومفهوم ولاية الفقيه وصلاحيات الفقيه في المنظومة الدينية الإجتماعية الشيعية.
ولكي أسهل الأمور على القراء الكرام؛ أرجو الإطلاع على رأي السيد السيستاني الرسمي في موضوع ولاية الفقيه في كتاب “الإجتهاد والتقليد والإحتياط”، وهي دروس البحث الخارج للسيد السيستاني التي قررها تلميذه السيد محمد علي الرباني، وكذلك الجزء الأول من تعليقة السيد السيستاني على كتاب “العروة الوثقى”، و الجزء الأول من كتاب “الفوائد الفقهية”، الذي جمعه الشيخ محمد كاظم الجشي، فضلاً عن الإستفتاءات المنشورة في موقعه الرسمي بهذا الخصوص. وأنا على استعداد لإرسال الكتب الثلاثة بنسخة pdf لمن يرغب.
وكان بودي طرح آراء السيد السيستاني في ولاية الفقيه كما أثبتها في كتاب “التقليد والإجتهاد والإحتياط”، وتحديداً الفصل الرابع منه؛ لكني وجدت أن طرح آراءٍ استدلالية معمقة تغوص في المصطلحات والقواعد الأصولية والحديثية والرجالية التخصصية، قد لايكون مفيداً لعامة القراء، لكني استخلصت منها نتائج بحوثه، والتي استدل فيها السيد السيستاني على ثبوت الولاية للفقيه في ثلاث مجالات، هي: الفتوى والقضاء والحسبة بصيغتها الواسعة. لكنه لا يرى للأدلة الروائية والعقلية التي أوردها القائلون بولاية الفقيه المطلقة (الرئاسة كما يعبر عنها في مطلع الفصل الرابع) حجية في ثبوت الولاية على الحكم، ومنها مقبولة ابن حنظلة ومعتبرة ابو خديجة وروايات “الحوادث الواقعة” و” ورثة الأنبياء” و”أمناء الرسل” و”مجاري الأمور” وغيرها؛ فهو أما يضعفها سنداً وإما ينفي دلالتها. كما ينفي حجية الإجماع الذي أكده المحقق الكركي في كتاب “صلاة الجمعة” و الشيخ محمد حسن النجفي في “جواهر الكلام” والشيخ النراقي في “عوائد الأيام” وغيرهم بشأن ثبوت الزعامة العامة للفقيه وشمول صلاحياته على الحكم.
ولعل أكثر ما يلفت النظر في معرض مناقشة السيد السيستاني لأراء الإمام الخميني في كتاب البيع (المكاسب) بشأن حجية الدليل العقلي الذي يقول بضرورة استمرار تطبيق أحكام الإسلام التي تتعلق بالنظام العام ولا يمكن تعطليها؛ كالحدود والتعزيرات والأموال العامة والدفاع وغيرها، وهي بحاجة الى سلطة تقوم بتتنفيذها؛ فإن السيد السيستاني يستعيض عن ولاية الحكم بخيار توسيع دائرة ولاية الحسبة؛ لتكون بديلاً يستوعب جميع الشؤون العامة التي لا يجوز تركها. أي أن السيستاني أحد أكثر الفقهاء الذين يوسعون مصاديق الحسبة ويوسعون صلاحيات الفقيه بصددها؛ بما يساوق ولاية فقيه شبه عامة، كما تدل أبحاثه.
ولذلك؛ يخيل إلي لو أن السيد السيستاني طرح أبحاثه في ولاية الفقيه بعد العام 2003، أي بعد سقوط النظام الذي كان يحصي أنفاس الفقهاء، فضلاً عن آرائهم، وبعد ظهور الحاجات الجديدة للدولة العراقية؛ فإنه ربما سيتوصل الى شمول ولاية الفقيه على الحكم؛ لأن ولاية الفقيه هي مسألة فقهية كغيرها من المسائل التي يختلف فيها العلماء مع أنفسهم أحياناً؛ فتطرأ لديهم أدلة جديدة أو تفسيرات جديدة للأدلة أو قراءة جديدة للواقع وحاجاته المتغيرة. مع الإشارة الى أن السيد السيستاني طرح أبحائه هذه في العام 1407 هـ (1986م) كما يوضح السيد الرباني في المقدمة.
وسأكتفي هنا بعرض عدد من نصوص السيد السيستاني حول ولاية الفقيه، وهي على شكل فتاوى منشورة في كتاب “الفوائد الفقهية طبقاً لفتاوى السيد السيستاني” المتوافر بشكل ورقي. كما أن أغلب الفتاوى موجود أيضاً في موقعه الرسمي على شبكة الإنترنيت، وهي تتطابق مع آرائه الواردة في كتاب “الإجتهاد والتقليد”، راجياً من المنفعلين غير المطلعين، تكليف أنفسهم لدقائق فقط لمراجعة الفصل الأول من الكتاب.
ومن الأسئلة والأجوبة المطبوعة في الكتاب:
سؤال 49: ما حدود ولاية الفقيه عندكم ؟
الجواب: ((الولاية فيما يعبّر عنها في كلمات الفقهاء (رض) بالأمور الحسبية تثبت لكل فقيه جامع لشروط التقليد، وأما الولاية فيما هو أوسع منها من الأمور العامة التي يتوقّف عليها نظام المجتمع الاسلامي؛ فلمن تثبت له من الفقهاء ولظروف إعمالها شروط اضافية، ومنها أن يكون للفقيه مقبولية عامة لدى المؤمنين)). السيد السيستاني، الفوائد الفقهية، ج١ ص38 – 39.
سؤال 93: ما معنى ولاية الفقيه ؟
الجواب : ((يعني نفوذ أحكامه شرعاً في موارد ثبوت الولاية له)). السيد السيستاني، الفوائد الفقهية، ج١ ص٥٣.
سؤال 43: ما حدود حاكمية الحاكم وموارد نفوذها في حق مقلِّدي الغير ؟
الجواب: ((تنفذ أوامر من تثبت له الولاية من الفقهاء على الجميع في الأمور الحسبية؛ بل وفي الأمور العامّة التي يتوقف عليها نظام المجتمع الإسلامي)). السيد السيستاني، الفوائد الفقهية، ج١ ص٣٦.
سؤال 41: هل يجب اتّباع الفقيه في أحكامه التي يصدرها ؟
الجواب: (( إذا كان حكمه في موارد ثبوت الولاية فلا تجوز المخالفة)). السيد السيستاني، الفوائد الفقهية، ج١ ص٣٥.
سؤال 90: هل الأحکام الولائية للولي الفقيه نافذة علی جميع مسلمي العالم أم هي خاصة بمنطقة نفوذه وولايته ؟
الجواب : ((ولاية الفقيه فيمن تثبت له مواردها لا تتحدّد ببقعة جغرافية)). السيد السيستاني، الفوائد الفقهية، ج ١ ص ٥٣.
سؤال 146: هل يجوز تشريع القوانين استناداً الى اقتضاء المصلحة؟
الجواب: يجوز ذلك لمن له الولاية شرعاً ضمن شروط خاصة. الفوائد الفقهية، ج ١ ص 70.
السؤال 63: هل يجب على باقي الفقهاء الذين لايرون ولاية الفقيه العامة؛ إطاعة الأحكام الولائية الصادرة عنه لضرورة حفظ النظام الإسلامي؟
الجواب: حكم الفقيه الذي ثبتت له الولاية في موارد ثبوتها؛ لايجوز نقضه ولو لمجتهد آخر، إلّا إذا تبين خطؤه ومخالفته لما ثبت قطعاً في الكتاب والسنة. الفوائد الفقهية، ج ١ ص 45.
هذه النصوص كلها تؤكد أن السيد السيستاني يعتقد بولاية الفقيه إعتقاداً قاطعاً؛ كغيره من الفقهاء؛ بل أنه يوسع مساحة حفظ النظام العام الثابتة للفقيه الجامع لشروط الإجتهاد والعدالة والمقبولية العامة من المؤمنين. وبرغم أنه يشير الى عدم شمول ولاية الفقيه على النظام السياسي؛ إلّا أنه يوجب إطاعة الولي الفقيه الذي قبل المؤمنون بولايته، حتى على المجتهدين الآخرين، وخارج حدود الجغرافيات الوطنية؛ كما نفهم من النصوص.
ـــــــــــــ