ما الذي تغير منذ الحرب السعودية؟!
✍🏻 محمد حسن زيد ||
22 إبريل 2025

الحرب التي خاضها تحالف السعودية خلال 9 سنوات من القصف والحصار والتجويع ثم انتهت بالفشل هل ستنجح أمريكا وحدها أن تخرج بنتيجة مختلفة ضد اليمن خلال شهرين أو ثلاثة أو حتى سنة؟
وما الذي تَغيّر في المعطيات منذ 2015؟
1- مُتغيّر غزة:
ما يحدث في غزة يومياً من الإبادة والتهجير مؤلم للغاية، يدعو الإنسان الشهم ذا المروءة للتحرك وبذل ما يستطيع، ولأن الحدث متزامن فالدافع قوي والمطلب اليمني واضح وبسيط وهو إيقاف التجويع وإيقاف الإبادة والتهجير بينما المطلب الأمريكي واضح وبسيط أيضا وهو الدفاع العسكري عن إسرائيل لتستكمل مخطط التجويع والإبادة والتهجير، ولأن الحدث متزامن فالدافع قوي يجعل المعركة التي يخوضها اليمن إسنادا لإخوانه المستضعفين في غزة معركة أخلاقية ودينية وقومية مقدسة ومُبررّة، وفي المقابل فإن الأصوات الداعية لإيقاف الإسناد هي أصوات خافتة وخجولة بل تكاد أن تكون في قاموس شعب اليمن الشهم عارا لا يُمحى بخلاف الحرب السابقة سنة 2015 التي قد تكون التبست فيها الأمور على من تاه في زحمة التفاصيل.
المظاهرات المليونية الأسبوعية المصاحبة لمعركة إسناد غزة والداعمة لها تُوفّر غطاء شعبياً وسياسياً مستمراً للقيادة السياسية وتضمن بقاء المعنويات مرتفعة والقلوب متلاحمة فالهدف واضح والقضية مقدسة والصمود عبادة وبطولة وكل ذلك يُلغي أثر الحرب الدعائية المضللة التي كان تأثيرها في الحرب السابقة سنة 2015 أقوى وأنجع.
2- مُتغيّر ترامب:
هذه القيادة الأمريكية التي تُدير الحرب مختلفة عن القيادة السابقة فهي قيادة انفعالية غير استراتيجية تستهلك جميع الكروت بشراهة ويبدو انها لا تهتم بالظهور بمظهر الهادئ الواثق ولا تفكر في الحفاظ على صورتها الحضارية ولا في التوازنات الجيوسياسية الدقيقة ولا في الآثار المستقبلية بل تتصرف كالكابواي الأرعن الذي يهتم باستعراض قوته فقط آمرا أفراد عصابته بكشف وجوههم خلفه ليشعر انهم معه غير آبه بحساسية مواقعهم ولا بطبيعة أدوارهم ولا بمصيرهم إن تركهم يوما ما!
مصيبة هذا الكابواي ان أعداءه الذين يُريدون إفشاله داخل أمريكا أكثر من خارجها، وأن أكبر المتضررين من طيشه هم حلفاؤه.. بل يمكن القول إن أعداءه باتوا يستفيدون بطريقة أو بأخرى من حماقته وانفعالاته غير الاستراتيجية.. روسيا والصين وإيران واليمن.
3- مُتغيّر أنصار الله:
أنصار الله أصبحوا اليوم أقوى مما كانوا عليه سنة 2015 فقد تراكمت لديهم الخبرات وتطورت الأسلحة وانتظمت المعلومات وازداد عدد المقاتلين وتخففوا من عبء الاختراق والنفاق وأصبح لديهم جمهور عربي وإسلامي وعالمي بعد موقفهم المشرف مع غزة وأصبحوا يتحكمون بواحدة من أهم طرق التجارة العالمية ومليارات الدولارات والسلع الاستراتيجية التي تمر عبر مضيق باب المندب..
ولعل زلات لسان ترامب المتكررة بأن أنصار الله أغرقوا سفناً أمريكية وبأنهم يصنعون صواريخ قوية ومتطورة بأنفسهم لهو أكبر دليل على أهمية هذا المُتغيّر.
4- مُتغيّر الراية المضادة لأنصار الله:
أمريكا تقاتل الآن بنفسها وحيدة بعد ان عجزت منذ الإسناد الأول سنة 2023 عن حشد تحالف، كما عجزت عن تحريك جبهات المرتزقة في الداخل اليمني لأن معظم هذه الجبهات هي حشود شكلية وأرقام وهمية على الورق للاسترزاق وللتحكم القانوني بما يُسمى “الشرعية” لإبقاء حالة الانقسام والحصار، أما أمريكا التي كانت حريصة على أن لا تتورط في حرب 2015 بطريقة مباشرة حتى لا تتلطخ يديها بالدماء وتغرق في مستنقع الاستنزاف، العكس الآن هو الحاصل في حرب 2025،
فالآخرون يتوسمون أن تتكفل أمريكا بالقضاء على أنصار الله لصالحهم بينما هم لا يريدون ان يتورطوا في المشاركة الفعلية معها لاعتبارات عسكرية ولأسباب دينية وقومية وحتى لا تتلطخ أيديهم بشكل مباشر بدماء أهل غزة وجريمة تهجيرهم، لكن أمريكا ترفض نأيهم وتُلحُّ في الطلب ويبدو انها تهدد وتتوعد، ولذلك نسمع استجابات خجولة وإن كانت استجابات دعائية حذرة أبعد ما تكون عن الحرب الفعلية.
لأن المغرر بهم الذين قاتلوا ضد أنصار الله منذ 2015 لسنوات تحت شعارات ضبابية أو فتنوية لم يعودوا “مغررا بهم”، فأمريكا اليوم تقاتل أنصار الله صراحة نيابة عن إسرائيل عقابا على إسنادهم لغزة وحقها في أن لا تجوع ولا تُباد ولا تُهجّر.
حتى الحياد لم يعد له معنى في ظل هذه المعطيات.. وحتى من لا يهتم بتوجيهات الله سيجد صعوبة وطنية وقومية وإنسانية في التزام الحياد ضد جرائم إسرائيل وحماية أمريكا لها ضد وطنه أو قوميته أو أمثاله من البشر فأمريكا تستهدف المدنيين اليمنيين بطرا بطائرات B2 الاستراتيجية لتحمي إسرائيل أثناء إبادتها لشعب غزة!
أما المرتزق الذي سيُصرّ على أن يُقاتل أنصار الله متحالفا مع أمريكا وإسرائيل الآن فقد صار أضعف معنويا لأنه صار يُقاتل تحت راية الطاغوت صراحة ومباشرة ومن تربى على أدنى مستوى من الإيمان بالله واليوم الآخر سيخشى أن يُضحي بنفسه مع أعداء الله ورسوله والمؤمنين لأنه يعلم أين سيكون مصيره الأبدي وأن موهوم المال أو المنصب لن ينفعه.
5- مُتغيّر الفشل الإداري والاقتصادي:
الفشل الإداري والاقتصادي الذريع في عدن مخيف حتى انه يغطي تماما على أي فشل إداري واقتصادي في صنعاء، وكذلك الفقر والفساد، بل لا توجد مقارنة بين الفشلين سيما في ظل الإمكانات المتاحة للطرفين، ويكفي أن نعرف أن سعر الريال المتداول في صنعاء قد تجاوز سعر 4 ريال جديد في عدن، فأي سقوط هذا؟ وهل من المعقول أن يتوق سكان المناطق الواقعة تحت سلطة أنصار الله لأن يجثم هذا الفشل على صدورهم يوما ما؟ أم العكس؟
6- مُتغيّر الحالة الأمنية في عدن:
الضباط الإماراتيون والسعوديون الذين يتحكمون بالوضع الأمني في عدن بطريقة مستفزة يأباها أي يمني حر، والانفلات الأمني غير المسبوق كل ذلك يرفع منسوب السخط فيما يسمى بالمناطق المحررة ولا يشجع المناطق الواقعة تحت سلطة أنصار الله على نيل هذا النوع من التحرر؟ بل على العكس وأنصح أن يستمع القارئ لزامل “أسألك بالله يا حوثي تجيني” لكي يستوعب الصورة.
7- مُتغيّر تفتيت اليمن:
يرى اليمنيون جميعا ويسمعون عن هندسة الانفصال والتفتيت في المناطق التي خرجت عن سلطة أنصار الله والعجز التام للقوى المناوئة لأنصار الله في وجه مخططات اقتطاع الأقاليم اليمنية وتفتيت الوطن وتقسيمه كالكعكة، سقطرى، حضرموت، المهرة، شبوه، كل هذه المعطيات لا تشجع الشعب اليمني على مناصرة أطراف الارتزاق العاجزة الخائرة التي استقدمت التدخل الخارجي لتتشبث بالسلطة، تلك الأطراف التي لا وزن حقيقي لها ولا قيمة في المعادلة اليمنية إلا بقرار سعودي إماراتي أمريكي، ولو توقف هذا الدعم لها فستسقط بسرعة قياسية..
8- متغير سوريا:
من يطمحون في تكرار النموذج السوري في اليمن كانوا يظنون أن سقوط الجيش العربي السوري سيرفع الفيتو الأمريكي عن الشعب السوري وأن انتقال سوريا من موقع الممانعة إلى موقع الحياد أو العمالة سيفتح لسوريا باب الاستقرار الاقتصادي والحرية والديمقراطية، لكن ما الذي حدث في الواقع؟
بعد انهيار الجيش السوري لم ينل الشعب السوري بركات رضا أمريكا ولم يسلم من أذى إسرائيل بل بادرت إسرائيل فورا لقضم مساحات شاسعة من الأراضي السورية ولم ترَ في الخضوع الرسمي السوري إلا فاتحاً لشهيتها لقضم المزيد وتدمير المزيد، بل إنها وبكل وقاحة عرضت الحماية الإسرائيلية على الدروز جنوب سوريا وتتحدث عن السيطرة على جنوب سوريا كاملا حتى حدود العراق وتسمي ذلك “ممر داوود”!
تركيا بدورها قضمت مساحات في شمال سوريا بينما استقر الأمريكان في منابع النفط شرق سوريا يدعمون الأكراد الطامحين في الانفصال واقتطاع إقليم شمال شرق سوريا كاملا.. أما غرب سوريا فوقعت فيه مجازر طائفية تُنذر بتمزيق النسيج الوطني وقد تمهد لحركة انفصالية مستقبلا..
من يطمحون في اليمن أن يتكرر النموذج السوري في بلدهم شاهدوا بأم العين كيف انقلب الثوار على شعاراتهم في سرعة قياسية وكيف بدلوا أثوابهم بكل بساطة.. كيف خضعوا خضوعا تاما للعدو الصهيوني، وكيف تصرفوا بقسوة مع إخوانهم من أبناء الشعب السوري.. فمن تراه في اليمن سيقاتل ويضحي من أجل تكرار هذا النموذج السوري في بلده؟
أظن أن نتيجة ما حدث في سوريا هي عكسية، فالتفتت والمجازر والاستباحة الناتجة كلها ستكون حافزا إضافيا لاستماته الشعب اليمني الذي لن يضع السلاح ويتلاشى مهما بلغت الظروف.
9- متغير حزب الله:
هناك من يحلم في اليمن أن تفعل أمريكا بأنصار الله ما فعلته إسرائيل بحزب الله اللبناني الذي تعرض لاختراق استخباري واسع تسبب في اغتيال معظم قيادته وأدى إلى إضعاف مركزه السياسي سيما بعد انهيار الجيش السوري وانقطاع خطوط الإمداد،
لكن رغم الضربات الهائلة التي تعرض لها ظل هذا الحزب يُقاتل إسرائيل ويُقارعها عسكريا ندا لند حتى أجبرها على وقف إطلاق النار، ولو كانت إسرائيل تعلم ان بالمستطاع اجتثاث الحزب بعد المصائب التي نزلت عليه تباعا لما أوقفت إطلاق النار ولما اكتفت بالخروقات التي غرضها معنوي ودعائي.. حزب الله اللبناني رغم الضربات الهائلة التي امتصها لكنه لم يتلاشَ وظل واقفا يقاتل وهو مثخن بالجراح،
وهذا بحد ذاته دليل على أن استئصال هذا النوع من الحركات الإسلامية الجهادية مستحيل، فلو تعرض أي تنظيم آخر أو جيش أو دولة لجزء مما تعرض له حزب الله لانهار خلال ساعات، ولذلك فما جرى لحزب الله مع صمود حزب الله هو مؤشر قوة لا مؤشر ضعف،
هذا من جانب ومن جانب آخر لمن يتوسم مصير حزب الله لأنصار الله يمكنه أن يتأمل فقط نوعية الأهداف التي تستهدفها الضربات الأمريكية في اليمن تجد انها تقصف المقابر وتقصف مناطق مقصوفة سابقا وتقصف أسواقا شعبية وموانئ مدنية وتجمعات عشائرية، وهذا مؤشر على الإفلاس العسكري والمعلوماتي، فلا يوجد قائد معروف نجحت أمريكا في اغتياله حتى اللحظة.. وحتى لو نجحت فمثل هذه الحركات الإسلامية الجهادية لا تهاب القتل وتستطيع التأقلم مع التحديات وتصبح أقوى وأكبر بالاغتيالات.
10- مُتغيّر المفاوضات الأمريكية الإيرانية:
الإيراني مفاوض بارع وقد عرف اللغة التي يخاطب بها ترامب، فترامب الذي لا يفهم إلا لغة القوة أو المال لوحت له إيران بالقوة كما لوحت له بعقد صفقات تجارية تريليونية تحتاجها إيران كي تخرج من عزلتها الطويلة دون أن تُضحي بسيادتها ولا مكتسباتها، وفعلا فقد أثار هذا العرض انتباه ترامب وألجم تهديداته وأحبط وعوده لنتنياهو، وقد ينتهي أمر المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى صفقة سياسية شاملة يكون حزب الله وغزة واليمن جزءا من موضوعها..
ولعل هذا هو تفسير زيارة وزير الدفاع السعودي لإيران صحبة السفير السعودي السابق في اليمن (المندوب السامي لحكومة الفنادق) أثناء المفاوضات الأمريكية الإيرانية.. إن صح هذا التخمين فهذا المُتغيّر (المفاوضات الأمريكية الإيرانية) قد يكون حاسما بشأن غزة وللحرب الأمريكية اليمنية.




