التسامح..بلسم القلوب وراحة الأرواح..!
ريما فارس ـ لبنان ||

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد.
في زحمة الحياة، وبين تقلبات القلوب والظروف، نحتاج إلى شيء يُعيد إلينا صفاء النفس وهدوء الروح.. ذلك الشيء اسمه “التسامح”. هو ليس ضعفًا، ولا تنازلًا عن الكرامة، بل هو رفعة أخلاق، وقوة من يملك أن يؤذي لكنه يختار العفو.
يقول الله تعالى في كتابه الكريم:
“فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ”
(سورة الشورى، آية 40)
التسامح الحلو هو الذي يأتي بعد القدرة، لا بعد العجز. عندما تكون قادرًا على الرد بالمثل، لكنك تختار السلام، وتكسر دائرة الأذى بردٍّ طيب. يكون التسامح جميلاً حين يُصلح، لا حين يُفسّر على أنه استسلام للذل أو تكرار للخطأ.
وقد كان أعظم من جسّد خُلق التسامح هو نبيّنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، الذي سامح من آذاه، وصفح عمّن شتمه، ودعا بالهداية لمن حاربه. يوم فتح مكة، وكان في أوجِ قوته، دخلها منتصرًا بعد سنين من الاضطهاد والنفي، وقف أمام أولئك الذين طردوه وأهدروا دمه، ثم سألهم: “ما تظنون أني فاعل بكم؟”
قالوا: “أخٌ كريم وابن أخٍ كريم”، فكان جوابه الذي يُخلَّد في صفحات النبل: “اذهبوا فأنتم الطلقاء.”
لم ينتقم، ولم يشمت، بل بسط راية العفو على قلوب امتلأت خوفًا، فأمّنها بالتسامح. هكذا كانت أخلاقه، وهكذا نتعلم أن التسامح لا يكون ضعفًا، بل هو قمة القوة، حين تقدر على العقوبة وتختار العفو.
نحن نتسامح حين ندرك أن القلوب أغلى من الغضب، وأن العلاقات أثمن من العتاب الممتد. نتسامح لأننا نحتاج أن نُسامَح، لأننا نخطئ كما يخطئ الآخرون، ولأن الله يُحب من يعفو، ويُحب من يُصلح، ويجعل لهم أجرًا عنده، لا عند الناس.
لكن، لا يكون التسامح جميلًا إذا أصبح سذاجة، أو فتح بابًا لاستغلالنا. في هذه الحال، يكون الحزم هو الوجه الآخر للتسامح، ليحمي كرامتنا دون أن نُفسد نيتنا الطيبة.
التسامح ليس أن تنسى، بل أن تختار ألا تَحمل في قلبك الكره.
هو أن تترك باب العودة مفتوحًا لمن يُصلح، وتغلق باب الأذى بلُطف، لا بانتقام.
فلنُسامح، لأن الحياة أقصر من أن نُثقلها بالحقد، ولأن الله يعدنا بأن من يعفو ويصلح، فإن أجره ليس ضائعًا، بل محفوظ عند من لا يُضيع الأجر.




