الجمعة - 26 يونيو 2026
منذ سنة واحدة
الجمعة - 26 يونيو 2026

عبد الزهرة محمد الهنداوي ||

عند منتصف ليلة ١٩-٢٠ من شهر تشرين الثاني، ٢٠٢٤، بدأ سريان حظر التجوال، استعدادا لاجراء التعداد العام للسكان، وفي تلك الساعة كنت خارجا للتو من غرفة عمليات التعداد، عائدا الى البيت، على ان اكون متواجدا في الغرفة قبيل الساعة السابعة من صباح اليوم التالي ٢٠-١١-٢٠٢٤، حيث سينطلق التعداد في جميع محافظات العراق..كانت الكثير من السيارات مازالت تجوب الشوارع، وكانت السيطرات تسهل عملية المرور.

في الساعات الاولى من اليوم الاول للتعداد، كانت القنوات الفضائية تتوافد على مقر غرفة العمليات، فيما بدأت قناة العراقية الاخبارية بثا مباشراً لمجريات الاحداث، في تلك الساعات، كنّا نترقب وصول السيد رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، وقبله وصل السيد وزير الداخلية، عبدالامير الشمري، كما وصل الممثل الخاص للامين العام للام المتحدة في العراق محمد الحسّان، وحضر عدد من المسؤولين الكبار في الدولة،.
كما وصل الزملاء اعضاء خلية العمليات الاعلامية للتعداد.

في ذلك اليوم، كانت عيون الاعلام، موجهة الى العراق، فالحدث لم يكن عاديا.
اكثر من ٢٧ قناة فضائية عراقية وعربية وعالمية فضلا عن عدد اخر من وكالات الانباء، ومراكز الاخبار ، كانت جميعها تتواجد في المركز الاعلامي للتعداد، والساعة مازالت عند العاشرة صباحا، والعدد في تزايد مع تقدم ساعات النهار..

عند الساعة الثامنة وخمسة عشر دقيقة، صباحاً وصلت بيانات اول اسرة عراقية وكانت من قضاء (الجدول الغربي) بمحافظة كربلاء المقدسة، وكانت لحظة فارقة، اسهمت في تشكيل اجواء هادئة في غرفة العمليات، حيث كان يتواجد السيد وزير التخطيط، محمد تميم، ووكلاء الوزارة، والمستشارون والمديرون العامون ورؤساء الاجهزة والتشكيلات كافة.

في هذه الساعات، كان الزملاء مراسلو القنوات الفضائية المتواجدون في المركز الاعلامي، قد احكموا الخناق عليَّ تماما، فكانوا جميعا يريدون تصريحات حصرية لكل واحد منهم، وكنت حريصاً على تلبية مايريدون، ومع حلول ساعات الظهيرة، كانت الكثير من القنوات الفضائية ترغب بلقاءات على الهواء مباشرة، اذ في مثل هذه الساعات، وساعات المساء، تبدأ النشرات الاخبارية المفصلة، وفي ذلك اليوم، خُصصت البرامج والنشرات لتغطية حدث العراق الكبير.

ومن مفارقات ذلك اليوم، فقد طلبتني ٤ فضائيات لاكون ضيف نشرتها الاخبارية، وجميعها كانت في الساعة ٨ مساءً، على ان يكون البث من المركز الاعلامي، قلت لهم لا مانع من ان تكون حصة كل قناة ١٠ دقائق، واتفقنا على ذلك، وقسمنا الوقت بينهم، فانتهيت من الاولى، وعندما جاء دور الثانية حدثت معهم مشكلة فنية بعدم وصول الصوت الى الاستيديو، ولم يتمكنوا من اصلاح الخلل الا بعد انتهاء الوقت المخصص لهم، ليأتي دور القناة الاخرى،

وهنا حدث اشكال بين القناتين!! فوضع احدهما سماعته في اذني اليمنى، والثاني في الاذن اليسرى، وانا استمع الى صوت المذيعيْن في القناتين وكل واحد منهما يقول (ينضم الينا الان بالصوت والصورة من بغداد فلان الفلاني)!! ولم يتم حسم الموضوع الا بزعل احدهما!!

انتهيت من اخر لقاء تلفزيوني في اليوم الاول ، بعد منتصف الليل بنصف ساعة، ليبلغ عدد اللقاءات التلفزيونية في ذلك اليوم، اكثر من (٥٠) لقاء تلفزيونيا، فضلا عن التصريحات القصيرة، واللقاءات الاذاعية!!

غادرت غرفة العمليات، عائدا الى البيت، فيما قضى الاخرون ليلتهم في مقر العمل..
كانت الشوارع خالية تماما، الا من السيطرات، فحظر التجوال مازال ساريا، اوقفتني احدى السيطرات، وقبل ان يسألني احد افرادها عن هويتي، بادر الضابط الذي كان يقف خلفه، مرحبا بي (اهلا وسهلا استاذ..) وذكر اسمي الصريح، ووجه كلامه الى صاحبه قائلا : (هذا ابو التعداد، دعه يذهب)!!..

في اليوم الثاني ٢١-١١-٢٠٢٤، لم يكن الحال مختلفا عن اليوم الذي سبقه، الا بعدد القنوات الفضائية، الذي شهد زيادة عما سجله اليوم السابق، حيث تجاوز عدد اللقاءات التلفزيونية الـ٦٠ لقاءً، لدرجة اني ومع حلول ساعات الليل، بدأت افقد القدرة على نظم الجمل بنحو صحيح في بعض الاحيان، ناهيكم عن حالة الاعياء الشديد، وتقرّح الحبال الصوتية!!

وثمة تفاصيل وكواليس اخرى كثيرة..