الثورة الاسلامية في ايران انبعاث حضاري اسلامي.
الشيخ جمعة العطواني ||

مركز افق للدراسات والتحليل السياسي
مقدمة
اغلب الثورات الشعبية والانقلابات العسكرية هي عبارة عن سقوط نظام والمجيء بنظام جديد، لا يختلف عن السابق الا بتغير الشخوص او ببعض المطالب التي قد تلامس حاجة المجتمع.
ما حصل في ايران في نهاية سبعينات القرن الماضي يختلف جملة وتفصيلا عن كل الثورات التي سبقتها والتي لحقتها ايضا، فالثورة الاسلامية في ايران هي انتصار على مشروع حضاري غربي، وقيام مشروع حضاري اسلامي متجدد.
فالامام الخميني(قدس) لم يكن قائدا سياسيا او عسكريا، او ثائرا يطلب السلطة او يريد ان يرفع الحيف عن المجتمع الاسلامي في ايران فحسب، بل انه قائد الهي يحمل مشروعا اسلاميا بكل تفاصيله الدقيقة وبعده الاستراتيجي، فهو يحمل مشروعا حضاريا اسلاميا بادق التفاصيل.
وبعد رحيل الامام الخميني كانت صورة المشروع واضحة لدى الامام الخامنئي(دام ظله)، فقد تابع تنفيذ هذا المشروع بدقة متناهية من حيث الشكل والمضمون او المحتوى .
فعندما يتحدث الامام الخامنئي عن المراحل الخمسة لنشوء الحضارة الاسلامية المعاصرة انما يعبر عن صميم المشروع الذي تكتنزة ثورة الامام الخميني .
وهذه المراحل هي
1- مرحلة النهضة الاسلامية او الثورة التي قام بها الامام الخميني(قدس).
2- مرحلة ارساء النظام الاسلامي.
3- مرحلة بناء الدولة الاسلامية .
4- مرحلة بناء المجتمع الاسلامي.
5- مرحلة بناء الامة والحضارة الاسلامية.
مقارنة بين الحضارة الغربية والحضارة الاسلامية.
———————————-
كما يقول اهل العلم فان الاشياء تعرف باضدادها، وان الاختلاف بين الحضارة الاسلامية والحضارة الغربية هو اختلاف الضدين ان لم يكن اختلاف النقيضين .
الحضارة الغربية :
—————
يقول العالم الفرنسي اوليفييه رووا في كتابه( الاسلام والعلمانية):
(حتى تنجح العلمانية في اي بلد لابد ان يكون المجتمع متحررا من كل مقدس)، وعندما يتحرر الانسان من قيمه وعقيدته واعرافه الاجتماعية ياتي دور العلمانية لتقر القوانين التي تتماشى مع غريزة ذلك الانسان( منزوع الفطرة والدين والقيم).
وبهذا الصدد ايضا يقول العالم الالماني نيتشه :
(ان يتولى الانسان خلق قيمه، وان لا يترك مسؤولية هذا الخلق لقوة مثل الله) .
عندما تاتي العلمانية لبناء حضارتها تجد انسانا منزوعا من كل قيم تتماشى مع فطرته وناموسه، فتبني حضارة مادية متحجرة الا من الميول والغرائز الحيوانية التي يميل اليها الانسان(العلماني)، كونه سُلِخَت منه كل العوامل التي تحول دون كبح جماح تلك الغرائز.
وبهذا الخصوص يقول الفيلسوف الانكليزي( ستيورات ميل): ان الحكومة الليبرالية لا تتيسر الا في في اجواء المجتمع الليبرالي، ولهذا فان المجتمع الغربي تحول الى الليبرالية اولا، وبعد ذلك حصل على حكومة ليبرالية مناسة له.
فالعلمانية لا تبعد الدين عن المجتمع والحياة فحسب، بل انها تخلق مجتمعا( منزوعا منهما)، ثم تاتي لتصنع انسانا( بهيكل) اجتماعي جديد.
وبما ان دين الله تعالى وفطرة الانسان قد وضعا خارج خدمة الانسان على حد وصف (نيتشه) فلا معنى لتلك الفطرة ولا معنى لدين الله، ومن هنا تاتي العلمانية كنظرية غربية(اجتماعية وسياسية وفكرية، وحضارية) لتضع قوانين مثل الاجهاض والمثلية الجنسية والتحول الجنسي وحتى تبادل الزوجات دون ان تجد غضاضة او رفض اجتماعي، لانها قد هيات كل المقدمات التي تجعل المجتمع يتعامل معها بوصفها(حق طبيعي).
من هنا يمكن اجمال مرتكزات الحضارة الغربية على التالي:
1- بناء مجتمع غرائزي منزوع الفطرة والدين والقيم الانسانية.
2- تشريع قوانين وفق نظام سياسي(دولة) يوفر ما تحتاجه غرائز الانسان دون موانع تذكر.
3- شمولية هذا النظام على مستوى العالم اجمع، فهو لا يقتصر في منظومته الاجتماعية والفكرية والسياسية على المجتمعات الغربية، بل يراد له ان يمتد ليشمل كل المجتمعات الانسانية .
4- لا يكتفي المشروع الحضاري الغربي بنزع الدين والقيم من عقول والمجتمعات، بل انه يحارب ذلك الدين ويستخف به في نظر تلك المجتمعات ايضا.
5- ميزة المشروع الحضاري الغربي انه مبني على استعباد الشعوب، والتحكم بمقدراتهم وحياتهم الى حد طريقة عيشهم، فلا قيمة للانسان الا بمقدار ما يستجيب لذلك البناء الاجتماعي المنحرف، ويتعايش مع الفكر والنظرية العلمانية.
الحضارة الاسلامية :
——————–
على نقيض النظام العلماني الغربي كانت الثورة الاسلامية في ايران تمثل ردة فعل او انتفاضة بوجه الهيمنة السياسية والثقافية والفكرية التي تمثل ركائز الحضارة الغربية، ليُشيّد محلها نظام اسلامي يحمل ثوابت الدين والقيم والتراث الاسلامي يكون ركيزة لبناء حضاري اسلامي.
من هنا ياتي خطاب الامام الخامنئي في(الخطوة الثانية للثورة الاسلامية) اي بعد مرور اربعة عقود على انتصارها ليبين للشباب حقيقة الثورة ومشروعها الحضاري، من خلال معرفة فلسفة الثورة الاسلامية وعمق بنائها ووجودها وديمومتها وما هو المطلوب من الشباب من واجبات لاستكمال ذلك المشروع الحضاري العظيم.
فالثورة الاسلامية في ايران هي اول ثورة تحمل الاسلام فكرا وعقيدة ونظاما سياسيا يهدف الى الارتقاء بالانسان المسلم الى القيمة العليا التي خلقها الله لاجلها، مستحضرة المشروع الرسالي الخالدي الذي اختطه الرسول الاعظم صلى الله عليه واله وسلم، واستكمل بناءه امير المؤمين واهل بيته عليهم السلام .
يتحدث الامام الخامنئي عن ميزة الثورة الاسلامية بانها بداية لمشروع لم يكن مسبوقا بتجارب مثيله له، فكان المشروع الاسلامي الوحيد والرائد في القرن الماضي، وكُتِب له الاستمرار في هذا القرن بوتيرة تصاعدية وبناء تراكمي استمر لاكثر من اربعة عقود ونصف رغم كل التحديات التي واجهته والتي لا تقل عن التحديات التي واجهت الاسلام في عصر الرسالة المحمدية الخاتمة .
ولان الثورة الاسلامية تمثل النقيض للمشروع الغربي، فقد ارتكزت على اسلامية الثورة، بجعلها الشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيس في قوانينها السياسية والاجتماعية والفكرية، وان التوحيد يمثل اهم ركيزة لتحرر الانسان من عبودية غير الله، بمعنى ان حرية الانسان الحقيقية ان يكون عبدا لله وحده ، فمن يستجب لاي قانون وضعي يقف بالضد من الدين وتشريعاته، ومن يصغي لاي حاكم متجبر، او يستجيب لاية طاغية مستكبر فانه على حد الشرك بالله سواء.
من هنا فان الثورة الاسلامية كانت ثورة لتحرير الانسان من عبودية غير الله تعالى ، يقول الامام الخامنئي بهذا الصدد ان(التوحيد الذي يدعو اليه الاسلام هو اسمى من ان يكون جوابا نظريا على سؤال.
التوحيد الاسلامي يعمل على صياغة نظام الحكم، والعلاقات الاجتماعية، ويوجه حركة التاريخ، ويرسم الهدف من هذه الحركة، ويقرر مسؤوليات الناس تجاه الله وتجاه بعضهم الاخر، وتجاه سائر مظاهر الطبيعة .
ليس التوحيد بالامر الذي تقول فيه ان الله واحد، وليس اثنين وكفى، انه يعني ان الله وحده في ان يكون مهيمنا على حياتنا الفردية والاجتماعية).
هذه هي الحرية التي ينشدها المشروع الحضاري الاسلامي، في ان يكون الانسان عبدا لله تعالى، ويقر بوحدانيته نظريا وعمليا، فالاقرار العملي بوحدانية الله هو رفض التبعية لاي حاكم او قانون او نظام يحكم بغير ما يريده الله ويتماشى مع فطرة الانسان.
هذه هي احدى ركائز الثورة الاسلامية في ايران ومنها تستكمل بقية الركائز.
ومنها الاستقلال، ونعني بالاستقلال هو الاستقلال الثقافي والسياسي والاقتصادي، فلا يمكن لنا ان نبني مشروعا اسلاميا يهدف الى بناء حضارة اسلامية وفي الوقت نفسه تكون ثقافاتنا وعاداتنا مستوردة من الغرب، ولا يمكن ان نكون احرارا في معتقداتنا واقتصادنا ومستقبلنا رهن بيد الغرب.
فالاستقلال السياسي والاقتصادي فضلا عن الاستقلال الثقافي والاجتماعي تعد من اهم ركائز المشروع الحضاري الاسلامي الذي جاهد الشعب الايراني لاكثر من اربعة عقود من اجل انجاحه، وقد تعرض هذا المشروع الى حروب قاسية وحصار اكثر قسوة يذكرنا (بالحصار الذي فرضه المشركون على المسلمين في شعاب مكة).
لكن لان مؤسس هذا المشروع( الامام الخميني- قدس-) يمثل امتدادا حقيقيا لاهل بيت الرسالة وهو ينظر الى مستقبل هذا المشروع بثقة قل نظريها، كما ان قائد هذا المشروع (الامام الخامنئي –دام ظله-)هو الوريث الشرعي لديمومة المشروع الحضاري، نجد ان الثورة والمشروع الحضاري الاسلامي قد تجاوزا كل التحديات، بل واصبحت الثورة الاسلامية بداية انبعاث الدين من جديد بعد ركود واضمحلال استمر لقرون بسبب الانحراف الفكري لدى من تسلطوا على رقاب المجتمع الاسلامي في حقبتي بني امية وبني العابس وما تلاهما.
يكفينا ان نذكر مقطعا من رسالة الامام الخميني الى زعيم الاتحاد السوفيتي ( انذاك) ليتضح حجم الثقة والعنفوان والايمان بنجاح الثورة الاسلامية وحتمية ديموتها وانتصارها .
فقد ارسل الامام الخميني رسالة الى زعيم ثاني اكبر قوة في العالم انذاك غورباتشوف زعيم الاتحاد السوفيتي يدعوه فيها الى الايمان بالله والتخلي عن الشيوعية، بل ويتنبا بزوالها في وقت قريب، وهذ الرسالة تذكرنا برسائل الرسول الاكرم الى كسرى وقيصر بوصفهما اكبر قوتين في ذلك الوقت .
يقول الامام في رسالته الى غورباتشوف( حضرة غورباتشوف، ان مشكلة بلدكم لا تكمن في قضايا الملكية والاقتصاد والحرية، وانما في عدم الايمان الحقيقي بالله، وهي ذات المشكلة التي قادت الغرب وستقوده الى الانحطاط والطريق المسدود، لان مشكلتكم الحقيقية تكمن في محاربتكم الطويلة والعميقة لله ومبدا الوجود والخلق).
علينا ان نفهم ان هذه الرسالة قد ارسلها الامام والثورة الاسلامية قد انتهت من حرب ضروس فرضها الغرب ونفذها المجرم صدام على الجمهورية، فعلينا ان نتصور حجم الايمان والثقة بالله من قبل الامام الخميني وهو يتحدث بثقة عظيمة مع قائد اكبر ثاني قوة في العالم.
مسؤوليتنا ازاء الثورة الاسلامية
——————
من ذلك كله علينا ان نتصور حجم المسؤولية الشرعية والاخلاقية في تحمل اعباء ذلك المشروع الاسلامي وديمومته، بل والارتقاء به الى المستوى الحضاري الذي يليق به، كيف لا وقد قاد هذا المشروع فقهاء عظماء ورجال اشداء ودماء شهداء حتى وصل الينا مشروعا عظيما بعظمة الفقهاء ودماء الشهدا، نعم انها مسؤولية الشباب في ديمومة ونجاح الثورة ومشروعها الحضاري.
من هنا يخاطب الامام الخامنئي الشباب ويوصيهم بمجموعة توصيات، يعد الالتزام بها ضمانة حقيقية لبلوغ الهدف المنشود في تحقيق الاهداف الكبرى في البناء الحضاري الاسلامي.
فمن هذه التوصيات، التمازج ما بين الاصالة الاسلامية ومتطلبات العصر، فالاسلام ليس بذلك الدين الجامد، وانما هو يمتلك المرونة الكافية ليكون ملائما مع كل زمان وعصر.
وكذلك يؤكد الامام على ضرورة امتلاك العلم والبحث العلمي، فالعلم ليس حكرا على احد، فهو متاح للجميع، والاسلام منذ بزوغه الى يومنا هذا يدعو الى التعلم والرقي ويثني على العلماء.
كما يؤكد الامام على البعد المعنوي والاخلاقي في مسيرة الشباب، لان الاخلاق والمعنويات تمثل احد اهم ركائز المشروع الاسلامي على خلاف المشروع الحضاري الغربي المتحجر والذي يتعامل مع الانسان على اساس المنفعة وان كانت على حساب الاخلاق وهو ما يصطلحون عليه ب( الميكافيلية)، وقد راينا ذلك بام العين وما حصل في غزة من ابادة للانسان المسلم من طفال ونساء وكبار السن دون ان يرف للانظمة الغربية جفن او يرتجف قلب او يتحرك ضمير،خير دليل على حجم الانحطاط الغربي. فالاخلاق تعد ايضا من اهم الركائز في البناء الحضاري الاسلامي .
ولابد من التذكير على اننا لازلنا في منتصف الطريق في تحقيق المراحل الخمسة التي اكد عليها الامام الخامنئي لانجاز المشروع الحضاري الاسلامي، مما يتطلب بذل اقصى الجهود للوصول الى تلك الاهداف.
بالنهاية لابد من التاكيد على ان الثورة الاسلامية والمشروع الحضاري الاسلامي الذي قطع اشواطا كبيرة لم يتحقق بترف سياسي، وانما تحقق بدماء زكية وجهاد علماء ومفكرين، وهذه الدماء وذلك الجهاد يحملنا مسؤولية مضاعفة من اجل ديمومة المشروع والوصول الى مبتغاه حتى يمن الله علينا بتلك الطلعة البهية لامام العصر عجل الله فرجه الشريف (انهم يرونه بعيدا ونراه قريبا




