ما زالوا يؤذونه..!
زمزم العمران ||

قال رسول الله صل الله عليه وآله وسلم : « ما أوذيَ نبيٌّ مثلَما أوذيت »
مفادُ الحديثِ هوَ نفيُ المِثليّةِ في الأذيّةِ الواقعةِ على خاتمِ الأنبياءِ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) عن الأنبياءِ (عليهم السلام) أو الخَلق، فما وقعَ على الأنبياءِ أو الخلقِ منَ الأذيّةِ ليسَت مثلَ الأذيّةِ التي وقعَت على خاتمِ الأنبياءِ (صلّى اللهُ عليهِ وآله). ونفيُ المثليّةِ والمُشابهةِ يُرادُ به أنّ الأذيّةَ الحاصلةَ لسيّدِ الأنبياءِ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) ـ لشدّتِها وعظمتِها ـ لم تقَع على سائرِ الأنبياءِ أو الخلق، فالحديثُ مسوقٌ لبيانِ شدّةِ البليّةِ والأذيّةِ الواقعةِ على النبيّ الأعظم (صلّى اللهُ عليهِ وآله).
إنَّ علماءَ الإماميّةِ (رضوانُ اللهِ عليهم) ذكروا وجوهاً عديدةً في بيانِ شدّةِ أذيّةِ خاتمِ الأنبياء (صلّى اللهُ عليهِ وآله) وعظمِ بليّتِه، نذكرُ مِنها خمسَ ،الأوّلُ: إنَّ الأذى نوعان: جسمانيٌّ وروحانيّ، والحديثُ ناظرٌ إلى أنّ الأذى الروحانيّ ـ الذي هوَ أعظمُ منَ الأذى الجسمانيّ ـ الذي أوذيَ بهِ خاتمُ الأنبياء (صلّى اللهُ عليهِ وآله) مِن قِبلِ المُشركينَ والمُنافقين أكثرُ مِمّا أوذيَت الأنبياءُ قبلَه ،ذكرَ هذا الوجهَ الفيضُ الكاشانيّ في [الوافي ج2 ص235] بقولِه: « لأنّهُ (صلّى اللهُ عليهِ وآله وسلّم) قد أوذيَ مِن قِبلِ مُنافقي هذهِ الأمّة منَ الأذى الروحانيّ أكثرَ مِمّا أوذيَت الأنبياءُ قبلَه؛ كما وردَ عنه (صلّى اللهُ عليهِ وآله وسلّم) أنّه قال : ما أوذيَ نبيٌّ مثلَما أوذيت ».
الثاني: إنَّ حقيقةَ النبيّ الأعظم (صلّى اللهُ عليهِ وآله) وذاتَه مِن عالمِ النورِ والأسماء، وهوَ أعظمُ الخلقِ عُلقةً باللهِ تعالى وأنساً به، فيُعدُّ ابتلاؤه بهذهِ النشأةِ الدنيويّة ـ حيثُ الانحطاطُ والماديّةُ وغيرُ ذلك ـ أعظمَ ابتلاءٍ به لأنّهُ أعظمُ الخلقِ عُلقةً باللهِ تعالى ورفعةً عن عالمِ الدّنيا وشؤونِها، فإنّ وجودَ خاتمِ الأنبياء (صلّى اللهُ عليهِ وآله) بينَ البشر في الدّنيا أعظمُ مكرُمةً للبشرِ وأهلِ الدّنيا في حينِ أنّها أعظمُ ابتلاءٍ له (صلّى اللهُ عليهِ وآله)،
وقد أشارَ لهذا الوجهِ بعضُ الأعلامِ في [العوائدِ والفوائد ص46] بقولِه: « فإنّه (صلّى اللهُ عليهِ وآله وسلّم) بذاتِه ووجودِه مِن عالمِ القُدسِ والأسماء، وهوِ ابتليَ بتلكَ النشأة، ولمّا كانَ أعظمَ خلقِ اللهِ عُلقةً به تعالى، وأشدّهُم أُنساً به تباركَ وتقدّس، فهوَ أعظمُهم في المُصيبة، وهوَ أبلاهُم بالإيذاء، فيقولُ مثلاً: ما أوذيَ نبيٌّ مثلَما أوذيت ».
الثالث : إنَّ أذيّةَ أهلِ البيت (عليهم السلام) هي أذيّةُ النبيّ الأكرم (صلّى اللهُ عليهِ وآله)، فإنَّ الأذيّةَ الواقعةَ على أميرِ المؤمنين (عليهِ السلام) وفاطمةَ الزهراء (عليها السلام) والحسنِ والحُسين (عليهما السلام) وغيرِهم مِن أهلِ البيت (عليهم السلام)، هيَ أذيّةٌ لخاتمِ الأنبياء (صلّى اللهُ عليهِ وآله)،
وقد جاءَت أحاديثُ كثيرةٌ بجعلِ أذيّةِ أهلِ البيت (عليهم السلام) أذيّةً للنبيّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله)، كقولِه (صلّى اللهُ عليهِ وآله): « مَن آذى عليّاً فقد آذاني »، وقولِه: « فاطمةُ بضعةٌ مِنّي فمَن آذاها فقد آذاني »، وقولِه: « مَن آذاني في أهلي فقد آذى اللهَ »، وقولِه: « ومَن آذى نسبي وذوي رحِمي فقد آذاني »، وقولِه: « اشتدَّ غضبُ الله على مَن أراقَ دَمي وآذاني في عِترتي »، وغيرُ ذلكَ كثيرٌ في كتبِ الفريقين،
وقد ذكرَ هذا الوجهَ السيّدُ الخُراسانيّ في رسالتِه حولَ البلاءِ المطبوعةِ ضمنَ [مجلةِ تُراثنا ع37 ص235] بقولِه: « وكلّما كانَ العبدُ أقربَ إلى الله وأحبّ كانَ بلاؤه عظيماً، ولذا قالَ سيّدُ الأنبياء (صلّى اللهُ عليهِ وآله وسلّم): « ما أوذيَ نبيٌّ مثلَما أوذيت»، وأذيّةُ عِترتِه عينُ أذيّتِه؛ فقد علمَ بها، وكانَ يراها رأيَ العين، ويتحمّلُها قبلَ وجودِها، ولذا كانَ يبكي حينَ تذكّرَها ». كما أشارَ لهذا الوجهِ الفيضُ الكاشانيّ في [الوافي ج2 ص25] بعدَ ذكرِ الوجهِ الأوّل.
إنَّ الأنبياءَ والأوصياءَ والشيعةَ والملائكةَ مخلوقونٌ مِن طينةِ خاتمِ الأنبياء (صلّى اللهُ عليهِ وآله)، فالنبيُّ مثلَ الشجرة، وأهلُ بيتِه أغصانُها، وشيعتُهم أوراقُها وهكذا. فما وردَ على سائرِ الأنبياءِ والأوصياءِ والمؤمنينَ منَ المصائبِ والبلايا فقد وردَت في الحقيقةِ على خاتمِ الأنبياء (صلّى اللهُ عليهِ وآله)؛ إذ لا يُعقَلُ قطعُ الغصنِ والورقِ معَ عدمِ تأثّرِ أصلِ الشجرة، فقد تحمّلَ النبيُّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) ما وردَ على سائرِ أهلِ الإيمان بحسبِ الباطنِ والمعنى. وعليه، فما جرى على أميرِ المؤمنينَ (عليهِ السلام) والصدّيقةِ الكُبرى (عليها السلام) وسيّدِ الشهداءِ (عليهِ السلام) وسائرِ الأئمّةِ (عليهم السلام) فقَد وردَت على خاتمِ الأنبياء (صلّى اللهُ عليهِ وآله)؛ لشدّةِ اتّصالِهم به، فهوَ المُعزّى وصاحبُ الرزيّةِ العُظمى، وهكذا جميعُ ما جرى على سائرِ الأنبياءِ والمُرسلين والأوصياءِ والمؤمنينَ مِن لدنِ آدمَ (عليهِ السلام) إلى زمانِه وإلى يومِ القيامةِ، ولهذا كانَت أذيّتُه (صلّى اللهُ عليهِ وآله) أعظمَ الأذيّات، وبليّتُه أكبرَ البلايا بأبي هوَ وأمّي.
ويشهدُ لهذا: الحديثُ الواردُ عن النبيّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله): « مَن آذى مؤمناً فقد آذاني » [روضةُ الواعظين ص293]، وكلمةُ (مؤمنٍ) مُطلقٌ شاملٌ لسائرِ أهلِ الإيمان، سواءٌ الأنبياءُ أو الرّسلُ أو الأوصياءُ أو الحواريّونَ أو الأولياءُ أو غيرُهم، والحديثُ يدلُّ على أنَّ أذيّةَ أيّ مؤمنٍ كان هوَ أذيّةٌ لخاتمِ الأنبياء (صلّى اللهُ عليهِ وآله).
وقد ذكرَ هذا الوجهَ المُحقّقُ السيّدُ أبو طالبٍ القائينيّ في [اللؤلؤةِ الغاليةِ في أسرارِ الشهادة ص72ـ75] عندَ كلامِه حولَ البلايا الواردةِ على ساداتِ البريّةِ وأسرارِها.
الذي يحدث في غزة اليوم ، أيضاً أذية للنبي الاكرم وأهل بيته فكما ورد في تفسير أذية اي مؤمن من اذيته عليه افضل الصلاة والسلام فمن وصايا النبي قوله : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) ، لكن الأمة العربية اليوم تقف موقف المتفرج لمايجري من أحداث في غزة من قتل الاطفال والشيبة والشباب والنساء بأبشع الطرق الوحشية من قبل اسرائيل فأين وصايا الرسول صل الله عليه وآله وسلم من هذه الأمة وحثه على التكاتف فيما بيننا في مثل هذه المواقف ومساندة الضعيف والمظلوم والأخذ بحقه من الظالم حتى يتحقق النصر .




