الخميس - 18 يونيو 2026

المحاصصة وملحقاتها (*)- من ذاكرة كتاب .- قليل من التفكير – كثير من النتائج

منذ 4 سنوات
الخميس - 18 يونيو 2026


علي عنبر السعدي ||

صيغة الحاضر ؟ أم صياغة المستقبل؟ – دراسة
المحاصصة التي ظهرت بشكل جليّ بعد التغيير العاصف في العراق 2003، نالت من النقد والثلب والاستنكار، ما لم ينله مصطلح آخر،إذ حمُّلّت كافة الآثام التي حصلت منذ التاريخ المذكور والى أزمنة قادمة مروراً بمشكلات الحاضر وأزماته التي باتت جزءاً من المشهد اليومي للحياة العراقية ، فلو لم تكن المحاصصة البغيضة، لكان العراق يزهو بديمقراطية (عريقة) تتقدم فيها المواطنة على ماعداها ويسود فيها تكافؤ الفرص بين المواطنين، وبالتالي ماكان العراقيون يرون كلّ ذلك التسابق المشوب بالفساد بين السياسيين والادعاءات المضخمة عن أهلية حصرية في تمثيلهم لمكونات بعينها .
لكن كم يملك ذلك من الصدقية؟ بمعنى هل المحاصصة حقّاً بهذا السوء؟ وهل هي المتسببة في مايحصل؟
في مفارقة تبدو مثيرة للدهشة بدءاً، أن التمعّن في الأشياء التي تظهر في موقع الإيجاب، غالباً مايكشف عن مقدار ماتحمله من سلب، وعكسها صحيح أيضاً، ومن هذا العكس، نرى في تاريخ ماقبل الإسلام وما تلاه،كيف أن بطون قريش كانت تتقاسم المهام في مكة تراضياً أو قبولاً، فالرياسة في بطن والوفادة في آخر والسقاية في ثالث، وهكذا ينال كلّ من تلك البطون (حصته) من الحكم حسب موقعه وحجمه وكثرة عدده، ذلك يتم بتقليد عرفي غير مكتوب سار زمناً ليس قليلاً تم الحفاظ فيه على وحدة قريش وموقعها بين العرب .
ماكان لتلك الصيغة الضمنية من المحاصصة أن تتغير، إلا بظهور عامل يمتلك من القوة مايمكنه بواسطتها الإخلال بالمعادلة بين قريش ، وهو ماحصل فعلاً عند ظهور البوادر الأولى للرسالة المحمدية، فقد فهمتها قريش إن تلك الرسالة تحمل في طياتها إحداث تغييرات لابد أن تؤدي بمحصلتها إلى أزمة خطيرة بين قريش ذاتها ،وبالتالي تهديد مكانتها بين العرب، فكان إن رُفضت تلك البوادر للتغيير من قبل جميع البطون بداية، بما فيها بعض رجال البطن الهاشمي ذاته ، ممثلة بأبي لهب عمّ النبي، وقد جاءت المقاومة عنيفة استخدمت فيها شتى الأساليب ، من ضمنها محاولة الاغتيال التي قامت بها قريش وتم فيها الاتفاق على مشاركة الجميع ،كي لايتحمل وزرها طرف بعينه، كما حدث قبلها حينما رفع الحجر الأسود فوق الكعبة حيث وضع في رداء قام بحمله ممثلون عن قبائل وبطون مختلفة كي لايستأثر احد وحده بذلك الشرف .
بعد أن رسخت دولة الإسلام وارتضت قريش بتحوّل السيادة من أمية إلى هاشم ، لكن في مكان آخر غير مكّة سيمت بالمدينة المنورة واتخذت عاصمة ليس للدعوة وحدها ، بل للدولة الناشئة ، فيما بقيت مكة على وضعها السابق ، وكان ذلك بمثابة تسوية غير معلنة .
وفاة الرسول صاحب الدعوة ،أعادت الأمور إلى صيغتها الأولى ، فقد رفضت قريش ممثلة بالمهاجرين ، أن تكون المحاصصة بينها وبين الأنصار، وبالتالي أجهضت محاولة سعد ابن عبادة في اعتماد صيغة جديدة لتقاسم السلطة (أمير منا وأمير منكم) لكنها فعلت ذلك بين بطون قريش ذاتها، فدفعت بممثل عن (تيم) ليكون الخليفة الأولى في معادلة مؤقتة أريد فيها ان تكون مرحلة انتقالية ، للوصول من ثم الى صيغة ثابتة للمحاصصة ، تأخذ في الاعتبار ، ما طرأ من تغيير أحدثه الإسلام ، وقد جاء اختيار الخليفة الأول( أبو بكر) انطلاقاً من حيثيات : خاصة – تمثلت بصفاته الشخصية باعتباره من وجوه قريش ولسابقته في الإسلام وقربه من الرسول صديقاً ومصاهرة – وعامّة – كرّست زعامة قريش كقبيلة ،وبطونها كمكونات .
ثم جاء عمر ابن الخطاب من عدي، فأرسى صيغة جديدة توزعت فيها محاصصة البطون بين مرشحي الخلافة والمرشحين لقيادة الجيوش، وبهذا جاء الخلفاء الأربعة من أربعة بطون مختلفة ( تيم – عدي – أمية – هاشم ) فيما جاء قادة الجيوش الإسلامية – بمعظمهم – من بطون مختلفة كذلك (خالد بين الوليد – أبو عبيدة الجراح – سعد بن أبي وقاص – الخ) .
كان بعض العرب قد رفض تلك المعادلة بداية، فجاءت حروب الردة في عهد أبي بكر،ثم ارتضتها الغالبية العظمى من قريش و بقية العرب طوال عهد الخليفة الثاني، الذي وزع مهام الدولة بين قريش بحيث أشرك غالبيتهم كمستشارين أو ولاة أو قادة، مع مشاركة لرؤساء من قبائل العرب البارزين،وقبلها كانت قريش قد رفضت استئثار هاشم بالسلطة من خلال ممثلهم علي ابن أبي طالب بمقولة (النبوة فيكم والخلافة فيكم، ستشمخون بأنوفكم على الناس) .
الخليفة الثالث عثمان بن عفان أعاد المحاولة في إرساء معادلة جديدة يستأثر فيها طرف بعينه ( أمية ) على الجزء الأكبر من السلطة، فكانت نتائجها إندلاع ثورة دفع فيها حياته ثمناً، لكن الخليفة الرابع علي ابن أبي طالب، حاول الخروج من تلك المعادلات لإرساء من ثم وضع جديد يسود فيه مبدأ (المواطنة) طبقاً للقانون الإسلامي الذي لم يفضلّ بين الناس إلا بالتقوى، لكن تطبيق ذلك النهج، كان سيعني انتهاء حصر المحاصصة في قريش وحدها، والسماح من ثم بدخول منافسين من شتى القبائل، فكانت إن برزت اشدّ المعارضات
وأقواها في قريش ذاتها ، بعد أن رفض الإمام علي ، الصيغ التي طرحت في تثبيت بعض زعمائها على حصصهم السابقة .
إرساء معادلة في الحكم بعيداً عن المحاصصات وإشكالاتها، لم تنقطع، وحين جاءت أمية إلى الحكم من جديد بدءاً من معاوية ابن سفيان، وجدتها سانحة لفرض معادلة الاستئثار دون المحاصصة ،لكن تلك المحاولة ووجهت بسلسلة من الثورات قمعت بقسوة بالغة، إلا أنها نجحت بعد زمن في إزاحة الأمويين، ليعود إلى السلطة بطن من قريش (هاشم) استأثر بها طوال قرون تواصلت فيها الثورات والاضطرابات .
خلاصة ذلك في التاريخ الإسلامي، ان الأزمنة التي سادت فيها محاصصة متقنة جمعت بين مبدأ المواطنة بشكل عام، و بين الشخوص والبطون والقبائل بشكل خاص،هي الأزمنة التي حافظت على الاستقرار والأمن – الطوعي غالباً – الناتج عن رضى نسبي عام- وبعكسها ووجهت كافة المحاولات التي تجاوزت تلك المعادلة إلى معادلتين من نوع الاستئثار أو الانتشار (وهو ماامتدّ في العهود العثمانية وماسبقها أو تخللها من اضطرابات وحركات متواصلة ، انتهت بضعف الخلافة العثمانية وسقوطها بيد غزو خارجي.
في أمريكا أكثر الديمقراطيات الحديثة تنوعاً، تدفع كلّ ولاية ممثلين عنها إلى السلطة التشريعية للمشاركة في صنع القرار، وعند تشكيل السلطة التنفيذية من قبل الرئيس المنتخب، يحرص على اختيار حكومته من ولايات مختلفة رغم ان الدستور لايلزمه بذلك،لكنه يفعل بحكم ممارسة متعارف عليها، وبالتالي لم يحدث في تاريخ أمريكا ان جاءت حكومة من ولاية واحدة أيّاً يكن حجمها وثراؤها وموقعها بين الولايات المتحدة، أما في المجتمع الأمريكي، فقد ألتزم أرباب العمل على أن تكون هناك نسبة من عمالهم من ذوي البشرة السوداء أو الصفراء أو ماشابه، كي لايتهّم صاحب العمل بالعنصرية أولاً، ولكي يحفظ للأجناس المختلفة (حصتها) من الفرص في المجتمع الأمريكي .
في تفحص متأن لواقع الممارسات السياسية في الدول الديمقراطية العريقة الأخرى، سيكتشف الباحث إن ليس هناك من دولة لم تأخذ واقع المحاصصة بنظر الاعتبار وإن اختلفت أشكال ظهورها أو طرائق التعبير عنها،لكن المحاصصة فيها تجتمع في مبدأ عام : غياب في النصوص، وحضور في السلوك، إنها ذلك الجمع الفعّال بين الضمني والعلني، بين الحفاظ على حقوق الجماعة في مجتمع متنوع كما هو شأن المحاصصة، والحفاظ على حقوق المواطن الفرد كما تضمنه المواطنة، فالمواطنة وحدها قد تكون صالحة للتطبيق في مجتمع متجانس، لكنها تحتاج الى المحاصصة (وان عرفاً ) كي تكتمل المعادلة في المجتمعات المتنوعة على وجه الخصوص .
في الدولة العراقية الحديثة،جرت محاولات أوّلية لجعل المحاصصة تجد طريقها للتجسد بأكثر من سبيل، فقد عُيّن مندوبون يمثلون مكونات العراق المختلفة من أجل ان يكون للجميع موقع في الحكم، ثم أنشأت المؤسسة العسكرية باختيار أبناء مختلف العشائر ليكونوا نواة لقادة الجيش الجديد، وكان من شأن تلك الخطوات أن تؤسس لمشاركة ترسي قواعد صالحة للحكم في بلد شديد التنوع خرج للتو من استعمار طويل (العثماني) لكن النجاح لم يحالف تلك المحاولات لأسباب عديدة،منها مايتعلّق برفض بعض المكونات مبدأ المشاركة انطلاقاً من : معتقد ديني عند الشيعة، و عدم ضمانها لخصوصيتهم القومية عند الكرد ، فيما اعتبرها السنّة فرصة للاستئثار بالسلطة (لنا الحكم ولكم اللطم) وهكذا ضيّع العراقيون على أنفسهم وبلدهم، فرصة نادرة يمكن ان تؤسس لدولة حديثة تضمن مشاركة الجميع أفراداً وحفظ حقّ الجميع كمكونات.
انفتحت الفرصة مجدداً أمام العراق الجديد، من أجل إرساء قاعدة فاعلة للمشاركة، لكن العراقيين وقعوا في التناقض مرّة أخرى،ففي وقت يطالب فيه الجميع بالمشاركة (كتّاب وسياسيون وهيئات ومكونات) ويسعون إلى تكريس ذلك بكلّ السبل، يستنكرون في الوقت عينه مبدأ المحاصصة من دون الإدراك،بأن المشاركة هي المحاصصة عينها، سوى ان الأخيرة أكثر تحديداً ودقّة، فهي تسمّي الأشياء بمسمياتها وتوضح من هي المكونات التي ينبغي ان تشارك في الحكم ضمن (حصص) محددة مسبقاً، لكن المحاصصة مفردة بغيضة كما يتصورها العقل العراقي، فيما المشاركة مفردة مباركة، ذلك مايشابه السلوك المستمدّ من الموروث الاجتماعي في الحديث، فبالإمكان ذكر مساوئ الجميع والتحدث بقسوة عن الجميع من دون خشية أو ارتباك، شرط أن لايشار إلى أحد بعينه، أوذكر تسميات محددة لوقائع بعينها،عندها يكون الحديث محقّاً دائماً، لكنه يصبح كارثياً ومرفوضاً حين يبدأ التحديد .
قيل في وصف الممارسات في الإسلام (هناك إسلام وليس هناك مسلمون) بمعنى ان لاذنب للإسلام – رسالة ونصوصاً- فيما ارتكب ويرتكب بإسمه، بل الذنب على عاتق من اعتنقه من دون العمل بمبادئه، أما عن المحاصصة فيمكن القول (هناك محاصصون وليس هناك محاصصة) إذ انهم ينظرون إلى المحاصصة باعتبارها وسيلة لتحقيق غايات شخصية، وليست صيغة بإمكانها لو أحسن استخدامها، ان تواءم بين متطلبات الفرد كمواطن، وحقوق الجماعة كمكون، وعليه، فبدل ان ينهمك الكتابّ والمثقفون
والسياسيون، في لعن مفردة أسمها المحاصصة تثبت حضورها وترسّخه كلّ يوم ، رغم الضجيج المثار ضدّها، ينبغي البحث عن مقاربات أكثر جدوى وفاعلية لجعل تلك (المحاصصة) صياغة للمستقبل، إذ ربما نكتشف إن تلك هي الصيغة المثلى التي ستلجأ اليها شعوب وثورات في مختلف العالم، بما فيها الدول التي اعتمدت مبدأ (المواطنة) كمنهج ثابت لبناء الدولة، ان المحاصصة من جهة، والمواطنة من جهة أخرى، ينبغي ان يكونا عينين للدولة لانقيضين يحاول كلّ منها إلغاء الآخر .
لاشك ان هناك الكثير ممايمكن تناوله من ثغرات في طرح كهذا، فليس من مهمة المقال إغلاق كافة الثغرات لتقديم نظرية تتناول المحاصصة وشجونها، لكن تلك المفردة ستفرض نفسها ، على الرغم مما يمكن ان يلحق بها من مثالب،أنها صياغة برسم المستقبل إذا أريد للعراق أن يبقى موحّداً.
(*) من كتاب – علي السعدي – المتحول والمتشكل في العراق الجديد – الدار اللبنانية للنشر والتوزيع – بيروت – حزيران 2012 – ص 158 –


ـــــــــــ