بائع الملائكة ..
محمد وناس ||
مع صوت جرس الاستراحة . يعم الصخب في ارجاء المدرسة القديمة , التي تشبه اثار مدينة هجرها اهلها منذ زمن بعيد فتحولت الى اطلال تكاد تسقط في اي لحظة ,
يجرين مسرعات يرسمن على ارضية ساحة المدرسة مربعات ( محلق ) يتراقصن حولها . يسرقن الثواني للعب في وقت الاستراحة بين الدروس .
الا هي .!!!! تتوجه الى ذلك الممر الطويل المؤدي الي باب المدرسة القديم الذي يشبه ابواب القلاع في قصص الفرسان من العصور الوسطى .
تنظر من خلال ثقب في الباب القديم الى الشارع المقابل ..
محلات الحدادين تملئ الشارع في تلك المحلة الكربلائية القديمة
ما اجمل الحرية ؟؟ ,,,,
تراقبهم , .. انهم احرار !!!
تترك احلامها تهاجر بعيدا .. متى تمتلك الحرية لتتحرك مثلهم .
متى تتخلص من هذا الباب اللعين
وحين يقرع الجرس العودة الى الدرس بعد انتهاء الاستراحة تبقى متسمرة امام الباب , حتى يداهمها صوت مدير ه المدرسة ( ست ….. ) بشعرها الابيض وقامتها القصيرة وصوتها الذي يلذع الاذن قبل العصا التي تحملها بيدها . لم تتكن ( ست …. ) تتسامح مع احد , فهي تكيل الجميع من عصاها ( الشاطر والكسلان ) ان تلكئ .
في الشارع توجد بناية للقنصلية الايرانية . بناية كبيرة مهجورة كأنها بيت مسكون بالأشباح . سور البناية المنخفض . وبوابتها مغلقة بإقفال كبيرة , بنت العناكب بيوتها على اطراف الشبابيك المزخرفة بالنقوش الفارسية . واستولى القصب على حديقتها . شجرة الدفلى تطل بأزهارها من فوق السور كأنها تسترق النظر خلسة للمارين في ذلك الشارع القديم .
عند ركن البناية يقف حمودي بعربته يبيع الصمون بالعنبة … تزدحم عربته بالتلميذات الخارجات من المدرسة وبعض المارة للحصول على اطيب عنبة في كربلاء كلها . الامر الذي دفعه لان يطور مشروعه فيقدم لفة البيض المسلوق والعنبة .
كل زميلاتها تقف عند عربة العنبة الا هي تسرع الى اخر الشارع
في اخر الشارع .بجانب استوديو الفنون للتصوير توجد مكتبة النجاح , صغيرة جدا . يديرها الحاج ابو عباس .
ابو عباس . شيخ كربلائي سمح المحيا . محبوب المظهر . حكيم . باسم الوجه , ملائكي الملامح اختلط بياض الشيب بسحنة وجهه المشرق فزاده وقار .
تقف عند المكتبة وتطالع صور الملائكة تلك الملصقات الجميلة التي كانت شائعة في بداية السبعينيات يلصقها التلاميذ على صفحات الكتب والكراسات .
تترقب صور الملائكة . تحلم ان تشتري كل ما في المكتبة من صور الملائكة . ثم تحصي ما تحمل في جيبها من فلوس . يغلبها الخجل ليبادر ابو عباس بإهدائها احد الملائكة الصغار .
في احدى الصباحات اعطاها ابوها 25 فلس .اسرعت نحو الحاج ابو عباس لتشتري بكل ال25 فلس صور ملائكة ( كومة صور ملائكة ) مضاف لها هدية من الحاج ابو عباس .
تقضي الليالي الثلاثة القادمة تنظر للملائكة وهو يتراقصون بين صفحات كراستها وبين اغلفة كتبها . تعيد توزيعهم .
كل الدنيا لا تساوي شيء امام جناحي ملاك
ملاك باسط جناحية عند الصفحة الاولى في كتاب القراءة . واخر مبتسم في بداية درس الاملاء ..
وعند درس ( دار , دور ) ملاك جالس …
ما اجمل الملائكة ….
ما اجمل الحرية …
في يوم ما . كانت مكتبة النجاح مغلقة . وابو عباس غير موجود .
استمر الحال ليوم اخر .. واخر .. واخر .. , ومن خلال حديث اهلها اكتشفت ان ابو عباس قد تم القاء القبض عليه وتسفيره خارج العراق ( تبعية ) ..
بائع الملائكة اختفى .
بكت وصرخت بأعلى صوتها .
هل تبكي الملائكة ام تبكي ابو عباس ؟؟؟
لا تعلم !!!!
يحاول ابوها ترضيتها ويقنعها ان يأخذها الى مكتبه اخرى تبيع الملائكة …. ( .لا لا مو مثل الملائكة الي عند ابو عباس . ملائكته يخبلون )
منذ ذلك اليوم توقفت عن شراء صور الملائكة .
لتجمع الازهار وتضعها بين صفحات كتابها حتى تجف
فالأزهار تعشق الحرية مثل الملائكة




