الخميس - 05 نوفمبر 2026

إيران في الحسابات الأمريكية: استراتيجية الدولة لا مزاج الحزب..!

منذ 52 دقيقة
الخميس - 05 نوفمبر 2026

محمد الكعبي ||

 

 

إن من يقرأ السياسة الأمريكية تجاه إيران من زاوية الصراع بين الجمهوريين والديمقراطيين                                                          يخطئ في فهم طبيعة هذا الملف، فالقضية الإيرانية ليست قراراً انتخابياً، ولا نزوة سياسية لرئيس بعينه، وإنما هي جزء من معادلة استراتيجية تتصل بموازين القوى في الشرق الأوسط، وأمن الحلفاء، والنفوذ الأمريكي في المنطقة،
قد يختلف الجمهوري عن الديمقراطي في الوسائل، وقد تتباين الإدارات في استخدام الدبلوماسية أو العقوبات أو سياسة الضغط والردع، لكن اختلاف الأدوات لا يعني بالضرورة اختلاف المصالح الاستراتيجية، فالولايات المتحدة، بوصفها قوة دولية ، لا تدير سياستها الخارجية بمنطق الرغبات الشخصية للرؤساء وحدها، بل وفق منظومة مصالح ومؤسسات وتقديرات استراتيجية تتجاوز عمر الإدارة الانتخابي، ومن هنا، فإن التعامل مع إيران لا يمكن فصله عن طبيعة النظام الإقليمي الذي تسعى واشنطن إلى المحافظة على توازناته، وعن موقع إسرائيل في الحسابات الأمنية الأمريكية، فضلاً عن أمن الممرات البحرية ومصادر الطاقة ومصالح حلفائها، إن جوهر الخلاف الأمريكي مع إيران لا يقتصر على طبيعة النظام السياسي الإيراني أو شعاراته الأيديولوجية، بل يمتد إلى دور طهران الإقليمي، وبرنامجها النووي، وقدراتها الصاروخية، وشبكة علاقاتها ونفوذها في عدد من دول المنطقة، وهذه الملفات تمثل، من وجهة النظر الأمريكية، تحدياً لمعادلات النفوذ والردع التي تحرص واشنطن على عدم اختلالها، ولذلك، فإن وصول رئيس جمهوري إلى السلطة لا يعني بالضرورة أن المواجهة مع إيران ستتخذ مسار الحرب، كما أن وصول رئيس ديمقراطي لا يعني أن واشنطن ستتخلى عن سياسة الاحتواء والضغط، فالرئيس قد يغيّر مستوى التصعيد، ويعيد ترتيب الأولويات، ويفتح أبواب التفاوض أو يغلقها، لكنه يتحرك ضمن حدود ترسمها المصالح الاستراتيجية وموازين القوى والاعتبارات المؤسسية، وهنا ينبغي التمييز بين الهدف والوسيلة؛ فالهدف قد يبقى ثابتاً، بينما تتغير الوسائل تبعاً للظروف فقد تكون العقوبات أداة ضغط، وقد يكون التفاوض وسيلة لاحتواء المخاطر، وقد يصبح الرد العسكري رسالة لمنع تجاوز الخطوط التي تعتبرها واشنطن حيوية لأمنها ومصالحها.
لكن ثمة نقطة تستحق الانتباه: ليس بالضرورة أن تكون الاستراتيجية الأمريكية قائمة على إسقاط النظام الإيراني أو إنهاء وجوده السياسي، فهناك فرق بين إضعاف قدرة دولة على تهديد المصالح الأمريكية، واحتواء نفوذها، وبين السعي إلى تغيير نظامها بالكامل وهذه أهداف مختلفة، ولكل منها تكلفته ومخاطره وتداعياته على استقرار المنطقة ونتائجه التي قد تكون كارثية قد تتجاوز الحدود وتكون تداعياتها على القارة الأوروبية و الامريكية.
أما الرهان على أن التباين الحزبي الأمريكي سيؤدي تلقائياً إلى تغيير جذري في الموقف من إيران، فهو رهان يتجاهل طبيعة السياسة الدولية فالدول الكبرى لا تتعامل مع الملفات الاستراتيجية بمنطق الصداقة والعداوة الشخصية، وإنما بمنطق المصالح والقدرة على التأثير وتحديد موازين القوة، ومن هنا، فإن السؤال الأهم ليس: من يحكم واشنطن، الجمهوريون أم الديمقراطيون؟ بل: ما الذي تريده الولايات المتحدة من إيران؟ وما حدود النفوذ الذي تستطيع واشنطن قبوله لطهران في المنطقة؟ وما الثمن الذي يمكن أن تدفعه لتحقيق أهدافها؟
إن فهم هذه الأسئلة هو المدخل الحقيقي لقراءة مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية؛ لأن تغيير الرئيس قد يغيّر نبرة الخطاب، وربما يبدّل أسلوب المواجهة، لكنه لا يمحو بالضرورة ثوابت المصالح الاستراتيجية للدولة الأمريكية، فالسياسة قد تتغير بتغيّر ساكن البيت الأبيض، أما المصالح الاستراتيجية للدول فلا تتغير بمجرد تبدّل ساكنيه.
إن الولايات المتحدة لا تنظر إلى إيران بمعزل عن موقعها الجيوسياسي، ولا تتعامل معها باعتبارها ملفاً ثنائياً منفصلاً عن بقية قضايا المنطقة، بل تضعها ضمن معادلة إقليمية ودولية تتداخل فيها مصالح إسرائيل، وأمن دول المنطقة، وممرات الطاقة والملاحة البحرية، فضلاً عن حسابات التنافس مع القوى الكبرى.
ولذلك، فإن أي تفاهم أمريكي إيراني محتمل لن يكون مجرد تسوية بين دولتين، بل سيظل محكوماً بحدود النفوذ الذي تستطيع واشنطن قبوله، وبالتوازنات التي تريد المحافظة عليها في المنطقة، فالسياسة قد تتغير بتغيّر ساكن البيت الأبيض، وقد تتبدل أدواتها بتبدل الظروف، لكن المصالح الاستراتيجية للدول لا تتغير بمجرد تبدّل ساكني قصورها.