الاثنين - 02 نوفمبر 2026

حين يُقصى العقل، تتعرّى أزمة الدولة..!

منذ ساعتين
الاثنين - 02 نوفمبر 2026

 طه حسن الأركوازي ||

 

 

 

في البلدان التي تحترم العلم ، يُمنح العُلماء المنابر كي يُنيروا الطريق ، أما في البُلدان التي تختل فيها المعايير ، فقد يصبح الميكروفون أكثر أهمية من العَقل الذي يتحدث إليه ، فالمشكلة على ما يبدو ليست دائماً في نقص الأصوات ، بل في فائض الخوف من بعض الحقائق .
ما أُثير بشأن سحب الميكروفونات من أمام البروفيسور العراقي “سلمان الرواف” خلال مؤتمر العراق للتعليم ، ليس مُجرد موقف عابر يُطوى بأنتهاء المُناسبة ، بل مشهد يستحق التأمل في دلالاته المهنية والمُؤسسية ، ولا سيما حين يقع في مُناسبة يفترض أن يكون العلم عنوانها ، وأحترام الخُبراء والكفاءات والنُخب رسالتها ، وإذا كانت الوقائع المُتداولة تعكس ما حدث بالفعل ، فإن السؤال لا يتعلق بميكروفونات أُبعدت عن منصة ، بقدر ما يتعلق بمعايير تُحدد من يتحدث ، ومن يستمع إليه ، ومن يملك حق تقرير ذلك .؟
وهنا تكمُن المُفارقة التي تستحق شيئاً من السخرية المُرة ، تعقد المؤتمرات لتطوير التعليم ، ويرفعون الشعارات عن الاستثمار في الإنسان ، ثم نجد أنفسنا مُضطرين إلى التذكير بأن الأستاذ الجامعي يستحق أن يُستمع إليه ، كأننا بلغنا من التقدم المُؤسسي مرحلةً أصبح فيها أحترام المعرفة مشروعاً يحتاج إلى موافقة إدارية مسبقة .
لكن القضية أبعد من شخص أو مُؤسسة إعلامية ، ولا يصح أختزالها في إدانة مُتسرعة أو محاكمة للنوايا .؟
إنها تضعنا أمام سؤال أكبر وهو لماذا تتراجع قيمة الاختصاص والكفاءه أحياناً أمام الاعتبارات الوظيفية ، ولماذا يبدو النفوذ في بعض المُمارسات أكثر حضوراً من المهنية ، فيما تحتاج الدولة إلى الاثنين ، ولكن وفق ترتيب واضح يجعل القانون والمعايير فوق الأهواء .
إن الدولة لا تُقاس بعدد مُؤتمراتها ، ولا بطول منصاتها ، ولا بعدد الشعارات التي تُرفع فيها ، بل بقُدرتها على تحويل مبادئها المُعلنة إلى سلوك مُؤسسي ، فليس صعباً أن نكتب في الدعوات عباراتٍ عن الابتكار والتميز ، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يقف صاحب رأي أو أختصاص ليقول ما يراه ، وعندما يتعين على المُؤسسة أن تحمي حقه في التعبير حتى إن لم يكُن حديثه مُريحاً للجميع .
وقد قال الله تعالى : ﴿هَلْ يَستَوِي الذينَ يَعلمُونَ وَالذينَ لا يَعلمُون﴾ ، وهي دعوة إلى إدراك قيمة العلم ، لا إلى تحويل الألقاب الأكاديمية إلى حصانة من النقد ، كما أنها تذكير بأن أحترام العُلماء لا يعني تقديس الأشخاص ، بل الاحتكام إلى المعرفة والحُجة والمعايير العادلة ، والمُشكلة العراقية في جانبها الأعمق .
أن أختلال المعايير لا يقف عند حدود الإعلام فهو يتصل بمنظومة أوسع كثيراً ما تُقدم الولاء على الكفاءة ، والعلاقات على الاستحقاق ، والمظهر على الإنجاز ، وحين تتكرر هذه المُعادلة ، لا تخسر الكفاءات وحدها ، بل تخسر الدولة قُدرتها على التعلم من أخطائها ، وتُهدر ثقة المُجتمع بمُؤسساتها ، ثم تتساءل بأستغراب عن أسباب تراجع الأداء وهجرة العقول .

لقد خرجت دول من حروب مُدمرة وأنهيارات أقتصادية وإجتماعية ، وبدأت من تحت الركُام ، لكنها أدركت أن إعادة بناء الحجر أيسر من إعادة بناء الإنسان والمُؤسسة ، فأستثمرت في التعليم ، وأصلحت الإدارة ، وربطت المسؤولية بالمُحاسبة ، وجعلت الكفاءة معياراً للعمل ، لا زينةً في الخطابات ، لم يكن التعافي مُعجزة ، بل حصيلة قرارات صعبة ، ومُؤسسات تتعلم ، وإرادة سياسية تقبل بأن الإصلاح يبدأ بالاعتراف بالخلل .

أما العراق ، فلا تنقصه العقول ولا الموارد ولا الخبرات ، بقدر ما يحتاج إلى بيئة تمنح هذه الإمكانات فُرصة العمل والتأثير ، وعلى الحكومة أن تنتقل من الاحتفاء الشكلي بالكفاءات إلى حمايتها وتمكينها ، وأن تربط التعيين والترقية وتولي المسؤوليات بمعايير مُعلنة من النزاهة والاختصاص والكفاءة والمهنية والإنجاز ، وعلى المُؤسسات الإعلامية أن تلتزم مواثيق مهنية واضحة ، وتصون حق التعبير ، وتخضع قراراتها للمُساءلة ، بعيداً عن الضغوط والانتقائية .
كما ينبغي للجامعات والهيئات المهنية أن تجعل أحترام الأكاديمييُن جُزءاً من ثقافة مُؤسسية ، لا مُجاملةً مُرتبطة بالمُناسبات ، وليس المطلوب أن يُمنح أحد ميكروفوناً لأنه يحمل لقباً ، بل ألا يُحرم منه بسبب مكانته أو رأيه ، وأن تُدار المنصات وفق قواعد مهنية مُعلنة ، تضمن حق المشاركة وتحترم الجمهور ، فالمهنية لا تعني إتاحة الكلام بلا ضوابط ، كما أن التنظيم لا يُبرر الإقصاء أو الانتقاص من الكفاءات والنُخب .

أخيراً وليس آخراً .. إن أخطر ما يمكن أن يحدث لدولة ليس أن يصمت ميكروفون في مؤتمر ، بل أن تصمت المُؤسسات عن مراجعة نفسها ، وأن تتحول الأخطاء إلى مُمارسات مألوفة لا تستدعي الاعتذار أو التصحيح .
العراق اليوم لا يحتاج إلى مزيد من المنابر بقدر حاجته إلى معايير تحكمها ، ولا إلى مزيد من الشعارات عن الكفاءة بقدر حاجته إلى قرارات تنصفها ، فحين يصبح أحترام العقل مُمارسةً يومية ، لا فقرةً في خطاب رسمي ، تبدأ الدولة بأستعادة عافيتها .
أما إذا أحتجنا في كُل مرة إلى التذكير بقيمة العالم ، فالمُشكلة ليست فيمن يقف أمام الميكروفون ، بل في المنظومة التي لم تتعلم بعد كيف تُصغي …!