موازنة عام 2027…(2) هشاشة الاقتصاد العراقي..!
د بلال الخيفة ||

ثالثاً: افتراضات الموازنة النفطية ومخاطر تقلب الأسعار
تشير الأرقام الأولية المتداولة إلى اعتماد تقديرات الموازنة على سعر نفط يبلغ 58 دولاراً للبرميل، وصادرات نفطية بحدود أربعة ملايين برميل يومياً، وسعر صرف يبلغ 1500 دينار للدولار الواحد.
وتكتسب هذه الافتراضات أهمية كبيرة لأنها تحدد حجم الإيرادات النفطية المتوقعة، وبالتالي قدرة الحكومة على تمويل نفقاتها والوفاء بالتزاماتها.
لكن المشكلة تكمن في أن اعتماد الموازنة على سعر نفطي تقديري لا يعني بالضرورة تحقق الإيرادات المخططة؛ فأسعار النفط تتغير باستمرار، وقد تتأثر بعوامل اقتصادية وسياسية وأمنية يصعب التنبؤ بها على المدى المتوسط.
وللتوضيح، فإن كل انخفاض بمقدار دولار واحد في سعر البرميل، مع افتراض ثبات الصادرات عند أربعة ملايين برميل يومياً طوال العام، يعني انخفاضاً نظرياً في الإيرادات الإجمالية بنحو 1.46 مليار دولار سنوياً، قبل احتساب التكاليف والخصومات وأي تغيرات في كميات التصدير.
وهذا يعني أن انخفاض السعر بمقدار عشرة دولارات قد يؤدي، وفق الافتراضات نفسها، إلى تراجع الإيرادات الإجمالية بنحو 14.6 مليار دولار سنوياً.
وهنا تظهر أهمية إعداد الموازنة على أساس سيناريوهات متعددة، وليس على أساس سعر نفطي واحد؛ إذ ينبغي وضع سيناريو متحفظ وسيناريو متوسط وسيناريو متفائل، وربط الإنفاق الاستثماري والإجراءات المالية بمستوى الإيرادات الفعلية المتحققة.
رابعاً: هل تستطيع الإيرادات غير النفطية تمويل الدولة؟
إن الهدف من تنويع الإيرادات لا يتمثل في الاستغناء السريع عن النفط، فهذا أمر غير واقعي في الظروف الحالية، وإنما في تقليل المخاطر الناجمة عن الاعتماد المفرط عليه، ورفع قدرة الدولة على تمويل جزء متزايد من نفقاتها من مصادر مستدامة.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال مجموعة من المسارات:
1. تنشيط القطاع الصناعي: إحلال المنتجات المحلية محل المستوردات، ولا سيما الصناعات البتروكيمياوية والأسمدة والأنابيب والمواد البلاستيكية ومواد البناء والتعبئة والتغليف.
2. تطوير القطاع الزراعي: تقليل الاعتماد على استيراد المنتجات الزراعية والغذائية، وزيادة مساهمة الزراعة في الناتج المحلي والتشغيل والإيرادات.
3. إصلاح النظام الضريبي: توسيع القاعدة الضريبية وتحسين التحصيل ومكافحة التهرب، بدلاً من فرض أعباء إضافية على الفئات الملتزمة أصلاً.
4. تعظيم إيرادات المنافذ الحدودية: من خلال الأتمتة والرقابة الإلكترونية وتوحيد الإجراءات ومنع التلاعب بالقيم والكميات الكمركية.
5. استثمار أصول الدولة: عبر إدارة الأراضي والعقارات والمرافق والممتلكات الحكومية بطريقة اقتصادية تحقق عوائد منتظمة، مع الحفاظ على ملكية الدولة للأصول الاستراتيجية.
6. تطوير الخدمات والأنشطة الاقتصادية: بما يتيح زيادة مساهمة النقل والسياحة والاتصالات والخدمات المالية واللوجستية في الناتج المحلي والإيرادات العامة.
إن نجاح هذه المسارات يتطلب سياسة اقتصادية متكاملة، لأن زيادة الإيرادات غير النفطية لا تتحقق بقرار مالي منفرد، وإنما نتيجة توسع حقيقي في النشاط الاقتصادي والإنتاجي.




