الأحد - 01 نوفمبر 2026

عيد الهالوين… حين تتحول الثقافات الوافدة إلى غزو للهوية الاسلامية..!

منذ ساعة واحدة
الأحد - 01 نوفمبر 2026

✍️ الشيخ الدكتور عبد الرضا البهادلي ||
١/ ١١ / ٢٠٢٦

 

 

 

📍ليس كل ما ينتشر في العالم يستحق أن نتبناه، وليس كل ما يروج له الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي يمثل تقدماً حضارياً. فالأمم التي تحترم هويتها لا تستقبل الثقافات الأخرى بلا وعي أو نقد، وإنما تميز بين ما ينسجم مع قيمها وما يتعارض مع عقيدتها ومنظومتها الأخلاقية والفكرية …

📍ومن الظواهر التي أخذت تنتشر في مجتمعاتنا الإسلامية في السنوات الأخيرة الاحتفال بعيد الهالوين، الذي يصادف الحادي والثلاثين من أكتوبر من كل عام. وقد تحول في بعض البلدان إلى مناسبة تجارية واجتماعية واسعة، تتزين فيها المحال والشوارع والمنازل بالقرع المنحوت، والأقنعة المخيفة، وصور الأشباح والساحرات، ويرتدي الأطفال والشباب أزياء التنكر، ويخرجون لجمع الحلوى والمشاركة في الاحتفالات.

📍ولفهم هذه الظاهرة فهي تعود الأصول التاريخية للهالوين إلى مهرجان “سامهاين” الكليتي الوثني، حيث كان يعتقد الكهنة الدرويديون أن الحدود بين عالم الأحياء والأموات تتلاشى في ليلة الحادي والثلاثين من أكتوبر. وفق هذه العقيدة، تخرج الأرواح الشريرة لتعيث فسادًا، مما يستوجب إشعال النيران وارتداء الأقنعة المخيفة لطردها أو اتقاء شرها ..

📍وهنا تبرز المسألة الثقافية والحضارية: لماذا نسارع إلى استيراد مناسبات لا تنتمي إلى تاريخنا ولا إلى منظومتنا الفكرية، ثم نحولها إلى مظاهر اجتماعية مألوفة في بيوتنا ومدارسنا ومؤسساتنا؟ ولماذا يصبح الاحتفال بثقافة الآخرين دليلاً على الانفتاح والتطور، بينما لا نبذل الجهد نفسه للتعريف بأعيادنا ومناسباتنا الإسلامية وقيمنا الحضارية؟.

📍إن خطورة الغزو الثقافي لا تكمن دائماً في فرض الأفكار بالقوة، بل قد تأتي من خلال الترفيه والتسويق والإعلانات والألعاب والاحتفالات، حتى تتحول الممارسات الوافدة بالتدريج إلى جزء من الحياة اليومية، ثم تصبح مألوفة لدى الأجيال الجديدة من دون معرفة أصولها أو التفكير في دلالاتها. وهنا لا يعود الأمر مجرد ارتداء زي أو توزيع حلوى، بل يصبح جزءاً من عملية تشكيل الذوق والوعي والانتماء الثقافي….

📍والثقافة الإسلامية لا تقوم على رفض كل ما يأتي من خارجها، ولا على الانغلاق عن العالم، وإنما تقوم على التمييز الواعي بين الثقافات. فما كان إنسانياً نافعاً ومنسجماً مع القيم الإسلامية فلا مانع من الإفادة منه، أما ما يرتبط بمعتقدات أو رموز أو طقوس وثنية لا تنسجم مع التوحيد والكرامة الإنسانية والحياء والقيم الأخلاقية، فلا ينبغي تحويله إلى ممارسة اجتماعية مقبولة لمجرد أنه شائع أو رائج عالمياً. فليس كل شائع صحيحاً، وليس كل جديد تقدماً…..

📍إن مسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والثقافية أن تبني جيلاً يمتلك الوعي والقدرة على الاختيار، لا جيلاً تحركه الموضة والإعلانات وتقليد الآخرين. كما أن من واجبنا أن نقدم لأبنائنا بدائل ثقافية وتربوية وترفيهية راقية، وأن نجعل مناسباتنا الإسلامية حية في وجدانهم، بما تحمله من معاني التضحية والرحمة والتكافل والفرح المسؤول …..

📍إن الأمم لا تفقد هويتها دفعة واحدة، وإنما تفقدها حين تتخلى تدريجياً عن معاييرها، وتستبدل بتراثها وقيمها ثقافات لا تعرف خلفياتها ولا تدرك آثارها. ومن هنا فإن رفض تقليد الهالوين ليس رفضاً للآخر أو عداءً لثقافته، وإنما هو دفاع عن حقنا في صيانة هويتنا، واختيار ما ينسجم مع عقيدتنا ورؤيتنا للإنسان والحياة. فالانفتاح الحقيقي أن نعرف العالم من دون أن نفقد أنفسنا ومبادئنا وقيمنا وثقافتنا، وأن نستفيد من الحضارات من دون أن نصبح نسخاً منها….