الأحد - 01 نوفمبر 2026

الصراع الدولي.. كيف توظّف الولايات المتحدة القانون لإدارة الحروب وصناعة النفوذ؟!

منذ 19 ثانية
الأحد - 01 نوفمبر 2026

 د. محمد عباس البطاط ||
الباحث بالقانون الدولي وحقوق الإنسان

 

 

 

لم تعد الحروب في النظام الدولي المعاصر تُقاس بما تحققه الجيوش في ميادين القتال وحدها، ولم تعد السيطرة على الأرض هي الوسيلة الوحيدة لفرض الإرادة السياسية. فقد اتسعت ساحات الصراع لتشمل المحاكم الدولية، والاتفاقيات، والمؤسسات الحقوقية، والتقارير الأممية، والضغوط الدبلوماسية والإعلامية. وفي هذا التحول برز مفهوم «الحرب القانونية» (Lawfare) بوصفه أحد الأساليب التي توظّف القانون لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية أو استراتيجية.

والسؤال الذي يستحق التوقف عنده: هل أصبح القانون الدولي إطاراً محايداً لتنظيم العلاقات بين الدول، أم تحول في بعض الممارسات إلى ساحة أخرى من ساحات التنافس والنفوذ، تستخدمها الدول القوية كما تستخدم أدواتها العسكرية والاقتصادية؟

من ابتكار المصطلح إلى توظيفه الاستراتيجي

يُعدّ الجنرال الأمريكي تشارلز ج. دنلاب الابن (Charles J. Dunlap Jr.) من أبرز الأسماء التي أسهمت في بلورة مفهوم الحرب القانونية مطلع القرن الحادي والعشرين. وقد عرّفها بأنها استخدام القانون أو إساءة استخدامه بديلاً عن الوسائل العسكرية التقليدية لتحقيق هدف عملياتي.

ولم يكن طرح دنلاب مجرد تعريف أكاديمي؛ بل جاء في سياق إدراك المؤسسة العسكرية الأمريكية أن القانون بات عاملاً مؤثراً في حركة القوات، وقرارات القادة، وصورة العمليات العسكرية أمام الرأي العام الدولي. كما أشار إلى أن الخصوم قد يستثمرون التزام الدول الديمقراطية بالقواعد القانونية والإنسانية لتقييد قدرتها على العمل العسكري.

واشنطن تعترف بأن القانون ساحة من ساحات المواجهة

لم يكن مفهوم الحرب القانونية بعيداً عن التفكير الرسمي الأمريكي. ففي استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2005 ورد أن قوة الولايات المتحدة ستظل تواجه تحدياً من أطراف تستخدم «استراتيجية الضعيف» عبر المحافل الدولية والإجراءات القضائية والإرهاب.

وهذه الإشارة مهمة؛ لأنها تكشف كيف تنظر المؤسسة الدفاعية الأمريكية إلى اللجوء إلى المحافل الدولية والقضاء بوصفه أحد أشكال الضغط التي قد تواجه مصالحها. ومن هنا لم تعد المعركة القانونية في الحسابات الاستراتيجية مجرد مسألة إجرائية، بل أصبحت جزءاً من تقدير التهديدات ومواجهة الخصوم.

وفي هذا السياق، وصف وزير الدفاع الأمريكي الأسبق دونالد رامسفيلد الحرب القانونية بأنها شكل من أشكال الحرب غير المتكافئة، تُستخدم فيه الادعاءات القانونية المحلية والدولية لكسب التأييد العام، وممارسة الضغط على المسؤولين الأمريكيين العسكريين والمدنيين، وتحقيق مكاسب سياسية وأيديولوجية.

أما جاك غولدسميث (Jack Goldsmith)، الذي تولّى رئاسة مكتب المستشار القانوني في وزارة العدل الأمريكية خلال إدارة جورج بوش الابن، فقد تناول في كتاباته وتجربته داخل الإدارة الأمريكية التوتر بين متطلبات الأمن القومي والقيود القانونية والرقابة القضائية. وقد أشار إلى أن رامسفيلد كان منشغلاً بمشكلة توظيف القانون ضد العمليات والمصالح الأمريكية، وأن مصطلح الحرب القانونية أصبح حاضراً في نقاشات البيت الأبيض ووزارة العدل والبنتاغون.

وهنا تظهر المفارقة: الدولة التي تمتلك أوسع الإمكانات العسكرية والاقتصادية لا تتعامل مع القانون باعتباره مسألة ثانوية، بل تضعه ضمن حسابات الأمن القومي، وتراقب تأثيره في شرعية عملياتها وصورتها الدولية.

العراق وغوانتانامو.. نماذج من ساحة الاشتباك القانوني

تكشف التجربة الأمريكية في العراق أن الصراع لم يكن عسكرياً وسياسياً فحسب، بل رافقته معركة قانونية ودولية حول مشروعية التدخل، وحدود استخدام القوة، والمسؤولية عن نتائج العمليات العسكرية.

فقد تناول الباحث ديفيد هيوز (David Hughes) في دراسته الأكاديمية «What Does Lawfare Mean?» المنشورة عام 2016 في مجلة Fordham International Law Journal، نماذج متعددة لاستخدام مصطلح الحرب القانونية، ومن بينها الجدل الذي رافق الحرب على العراق، ومحاولات استخدام الوسائل القانونية والدولية للطعن في شرعية العمل العسكري قبل وقوعه.

كما يبرز ملف معتقلي غوانتانامو وجهاً آخر من هذه المواجهة؛ إذ لم تقتصر المعركة على الاحتجاز والتحقيق والإجراءات الأمنية، بل امتدت إلى المحاكم والجهود القانونية التي بذلتها منظمات ومحامون للدفاع عن حقوق المعتقلين ومساءلة السلطات عن أوضاعهم.

ومن الجهات التي ورد ذكرها في هذا السياق اتحاد الحريات المدنية الأمريكي (ACLU)، والرابطة الوطنية لمحامي الدفاع الجنائي (NACDL)، اللذان ارتبط اسماهما بمبادرات قانونية لمتابعة قضايا المعتقلين في غوانتانامو.

وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: فممارسة الحق في التقاضي والدفاع عن المعتقلين ليست بحد ذاتها حرباً قانونية غير مشروعة؛ بل قد تكون ممارسة أصيلة لضمان المحاكمة العادلة وسيادة القانون. غير أن إدراج هذه الأنشطة ضمن خطاب الحرب القانونية يكشف حجم الخلاف حول حدود استخدام القانون، ومن يملك حق وصفه بأنه أداة ضغط أو وسيلة لتحقيق العدالة.

المحكمة الجنائية الدولية.. القانون في مواجهة حسابات القوة

من أبرز الملفات التي تكشف حساسية الولايات المتحدة تجاه المساءلة الدولية موقفها من المحكمة الجنائية الدولية. فقد ارتبطت هذه الحساسية بمخاوف واشنطن من احتمال إخضاع مواطنيها، ولا سيما العسكريين والمسؤولين، لإجراءات قضائية دولية تتصل بعمليات خارج الأراضي الأمريكية.

وفي هذا الإطار برزت المادة (98) من نظام روما الأساسي، وما أثير حولها من اتفاقيات ثنائية تسعى الولايات المتحدة من خلالها إلى حماية مواطنيها من التسليم للمحكمة في ظروف معينة.

وتكشف هذه المواقف أن التعامل مع المؤسسات القضائية الدولية لا ينفصل عن حسابات السيادة والمصالح الوطنية. فالولايات المتحدة، مثل غيرها من الدول، تحاول حماية مواطنيها ومؤسساتها من المساءلة التي ترى أنها قد تمس مصالحها، بينما يرى منتقدو هذه السياسات أنها تضعف مبدأ المساواة أمام القانون الدولي وتحد من فاعلية منظومة العدالة الدولية.

إن الإشكالية هنا ليست في حق الدولة في حماية مصالحها، بل في مدى اتساق هذا الموقف مع مبدأ خضوع الجميع للقواعد القانونية ذاتها، وعدم تحويل الالتزامات الدولية إلى قواعد تُطبّق على الآخرين وتُستثنى منها القوى الكبرى.

ديفيد هيوز.. هل أصبح مصطلح الحرب القانونية سلاحاً ضد العدالة؟

يقدم الباحث ديفيد هيوز قراءة نقدية مهمة في دراسته، إذ يرى أن الاستخدام الشائع لمصطلح الحرب القانونية ابتعد في كثير من الأحيان عن غرضه الوصفي الأصلي، وأصبح يُستخدم لإدانة أطراف تلجأ إلى القانون الدولي أو تحاول تفعيل آلياته.

ويحذر هيوز من أن إطلاق وصف «الحرب القانونية» على كل تحرك قضائي أو حقوقي قد يتحول إلى وسيلة لتقويض حق الوصول إلى العدالة الدولية، وإضعاف شرعية المطالبات القانونية قبل مناقشة مضمونها وأدلتها.

وهذه ملاحظة جوهرية؛ لأن ليس كل لجوء إلى القضاء حرباً، وليس كل تقرير حقوقي استهدافاً سياسياً، كما أن ليس كل توظيف للقانون عملاً مشروعاً لمجرد أنه اتخذ شكلاً قانونياً. فالمعيار الحقيقي يجب أن يكون الوقائع والأدلة والاختصاص والإجراءات والغايات، لا هوية الطرف الذي يستخدم الأداة القانونية.

الحرب القانونية.. سلاح ذو اتجاهين

إن أخطر ما في الحرب القانونية أنها لا تحتاج دائماً إلى تحريك قوة عسكرية أو فرض حصار اقتصادي؛ فقد تبدأ بتقرير، أو دعوى قضائية، أو مطالبة دولية، أو تفسير قانوني، ثم تتطور إلى ضغوط دبلوماسية واقتصادية، وربما تُستثمر لتبرير إجراءات سياسية أو عقوبات أو تدخلات خارجية.

وفي المقابل، تستطيع الدول توظيف القانون نفسه للدفاع عن سيادتها، وتوثيق الانتهاكات التي تتعرض لها، وملاحقة المسؤولين عنها، وبناء موقف دولي يستند إلى الأدلة والاتفاقيات والقواعد القانونية. فالقانون ليس ملكاً للدول الكبرى، ولا ينبغي أن يكون حكراً على من يمتلك القدرة على التأثير في المؤسسات الدولية.

ومن هنا تأتي أهمية الدراسات العربية التي تحاول تفكيك هذه الظاهرة وفهم أدواتها. وفي هذا السياق يندرج كتابي «الحرب القانونية: السلاح الخطر في النزاعات الحديثة»، الذي يتناول التحولات التي طرأت على طبيعة الصراعات المعاصرة، وانتقال المواجهة من ميادين القتال التقليدية إلى ساحات القانون والمؤسسات الدولية والإعلام والرأي العام.

وتنبع أهمية هذا الموضوع من أن فهم الحرب القانونية لم يعد ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة للدول والمؤسسات التي تسعى إلى حماية سيادتها ومصالحها، والتمييز بين الاستخدام المشروع للقانون وبين توظيفه لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية. فالقانون يمكن أن يكون وسيلة لحماية الحقوق وتحقيق العدالة، كما يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط ونفوذ عندما يُفصل عن غاياته القانونية أو يُستخدم بصورة انتقائية.

العراق.. هل نمتلك القدرة على المواجهة القانونية؟

بالنسبة إلى العراق، فإن التحدي لا يكمن في مواجهة التقارير الدولية أو الانتقادات الحقوقية برفضها بصورة مطلقة، ولا في التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية لا تقبل النقاش؛ بل في امتلاك القدرة المؤسسية والقانونية على قراءتها وتحليلها والإجابة عنها بالأدلة والوثائق.

فالتقرير الدولي الذي يتضمن اتهاماً أو ملاحظة لا ينبغي أن يُترك دون إجابة مهنية، كما لا ينبغي أن تُقابل الملاحظات الصحيحة بالإنكار أو التجاهل. المطلوب هو تحديد الوقائع، والتحقق من المعلومات، ومساءلة المقصرين عند ثبوت المسؤولية، وتقديم الردود القانونية المدعومة بالمستندات، ومتابعة الملفات عبر القنوات الوطنية والدولية المختصة.

إن الإهمال في إعداد الإجابات، وضعف التوثيق، وتضارب المواقف الرسمية، قد يترك فراغاً تستثمره أطراف أخرى في بناء رواياتها وتوسيع الضغوط على الدولة. وقد تتحول ملاحظة كان بالإمكان معالجتها إدارياً أو قضائياً إلى ملف دولي أكثر تعقيداً، لا بسبب خطورة الواقعة وحدها، بل بسبب غياب الرد أو ضعف المعالجة.

ولهذا ينبغي أن تمتلك مؤسسات الدولة وحدات متخصصة في القانون الدولي وحقوق الإنسان، وأن تتكامل جهود وزاراتها وهيئاتها، وأن تُبنى قاعدة بيانات موثوقة للوقائع والإجراءات والتحقيقات، مع تدريب الكوادر على إعداد التقارير والردود وفق المعايير الدولية.

كما أن الدفاع عن الدولة لا يعني تعطيل المساءلة، والدفاع عن حقوق الإنسان لا يعني إضعاف السيادة؛ بل إن بناء دولة تحترم القانون وتطبق التزاماتها هو أحد أهم عناصر حماية سيادتها ومكانتها الدولية.

الخلاصة.. من يمتلك القانون يمتلك إحدى أدوات الصراع

إن التجربة الأمريكية، كما تكشفها كتابات دنلاب ورامسفيلد وغولدسميث، وما تناوله ديفيد هيوز من نقد وتحليل، تؤكد أن القانون أصبح جزءاً من التفكير الاستراتيجي في النزاعات الحديثة. لكنه في الوقت نفسه يظل ميداناً تتعدد فيه المصالح والتفسيرات، وتتنازع فيه رؤى العدالة والسيادة والأمن.

ولذلك، فإن التعامل مع الحرب القانونية لا يكون برفض القانون الدولي، ولا بالخضوع غير المشروط لكل ما يصدر عن المؤسسات الدولية، وإنما بامتلاك المعرفة القانونية، وقوة الحجة، ودقة التوثيق، والقدرة على المبادرة والمرافعة.

فالدولة التي لا تملك خطاباً قانونياً موثقاً قد تجد نفسها مضطرة للدفاع عن مواقفها أمام روايات صاغها الآخرون، والدولة التي تهمل ملفاتها الحقوقية قد تدفع لاحقاً ضريبة هذا الإهمال سياسياً ودبلوماسياً وقانونياً.

في عالم اليوم، لم تعد القوة وحدها تصنع نتائج الحروب؛ فهناك معركة أخرى تُدار بالنصوص والوثائق والمحاكم والتقارير. ومن لا يستعد لها، قد يخسر جزءاً من معركته قبل أن تبدأ المواجهة.