الجمعة - 23 اكتوبر 2026

ارهاصات مجنون.. مفارقات على حافة الذاكرة: حين يصبح الوطن حافلة بلا تذاكر..!

منذ 4 ساعات
الجمعة - 23 اكتوبر 2026

د. طالب الشوكة ||

 

 

دعونا نفتح هذا الملف الممتد بين الأزمنة والمدن، ونتحدث بصراحة عن تلك العلاقة العجيبة بين واقعنا الاجتماعي اليومي وأطياف القوانين والتشريعات التي تهبط على رأس المواطن كل صباح.
إنها مفارقة تجعلك تتساءل. كيف يتعايش العراقي في وطنه مع كل هذه المتغيرات، بينما لو فكر يوماً، من باب التضامن الإنساني، أن يقف في عاصمة مجاورة ليرفع لافتة تطالب بتحسين ظروف الحياة، فقد يُقال له ببساطة. عد إلى بلدك، فهذه ليست ساحَتك
في أزقتنا ومقاهينا، تدور سيناريوهات يومية تشبه المسلسلات الواقعية. فبين جار قديم يحاول فهم تقلبات الأسعار والتغييرات التشريعية المتلاحقة، ووافد جديد ينظر باستغراب إلى تعقيدات قوانين الأحوال الشخصية، تتزاحم الأسئلة، وكأن أحدهم يقول. هل جئنا نبحث عن الأمان، أم لنجد أنفسنا وسط نقاشات قانونية واجتماعية لا تنتهي؟
المشهد الاجتماعي بات أشبه بسيمفونية من المتناقضات؛ حوارات دافئة في مقاهي المتنبي والكرادة، تجمع لهجات وثقافات متعددة، وتناقش أعمق القضايا الفقهية والاجتماعية على إيقاع الأغاني القديمة. وهذا التلاقح الثقافي، على ما فيه من جوانب إيجابية، يفتح باباً للتساؤل عن حدود الهوية الوطنية، وكيف يمكن الحفاظ على ملامحها من دون الانغلاق على الآخرين أو التفريط بخصوصية المجتمع.
والأنكى من ذلك كله، أن بعض المواطنين يشعرون بأن بلدهم أصبح محطة مفتوحة للجميع، يستطيع فيها الآخرون التعبير عن آرائهم ومواقفهم، بينما يتردد ابن البلد ألف مرة قبل أن يشتكي من ارتفاع الأسعار أو زحام الجسور أو تراجع الخدمات، خوفاً من أن يُتهم بالتشاؤم أو عرقلة مسيرة التنمية!
وهنا لا نتحدث عن حق يُمنح لهذا ويُحجب عن ذاك، بل عن شعور يتنامى لدى المواطن بأن صوته لا يجد دائماً المساحة التي يستحقها، وأن مطالبه اليومية قد تضيع وسط ضجيج الشعارات والوعود.
العراق، هذا البلد الذي يمتلك من الثروات والمقومات ما يؤهله لأن يكون في مقدمة الدول، يمر بمرحلة يشعر فيها كثير من أبنائه بأنه يعطي الكثير، بينما لا يزالون هم في طابور الانتظار؛ ينتظرون خدمة أفضل، وفرصة عمل، وبيئة مستقرة، ودولة يشعرون فيها بأن المواطنة ليست مجرد صفة في البطاقة الوطنية، بل حقوق وواجبات وكرامة مصونة.
وفي النهاية، عزيزي المواطن، إذا صادفت غداً نقاشاً حاداً بين غرباء وأقرباء في مقهى بغدادي حول أصل المشكلة، فلا تصب بالذهول. ابتسم بمرارة، وقل في سرك: اللهم احفظ هذا البلد وأهله؛ فالعراقي الذي طالما شعر بأنه صاحب الدار، بات أحياناً يبحث عن موطئ قدم مطمئن في أرضه، وكأن الاستقرار الذي يفترض أن يكون حقاً طبيعياً أصبح أمنية مؤجلة.
لكن، حتى لا يذهب بنا الحديث إلى غير مقصده، فإن الإشكالية لا تكمن في وجود الأشقاء العرب بيننا، ولا في حق الإنسان في التعبير عن رأيه. فالعراق كان وسيبقى بلداً يحترم الضيف ويصون كرامته، وهذه قيمة أصيلة لا ينبغي التفريط بها. غير أن الضيافة شيء، والنقاش حول التشريعات الوطنية شيء آخر؛ فالقضايا المرتبطة بالأحوال الشخصية، ومنها المدونة الجعفرية، ينبغي أن تُناقش في إطارها العراقي، وفق الدستور والقانون، وبما يراعي خصوصية المجتمع وتنوعه، ويحفظ حقوق المواطنين.
ومن هنا يبرز سؤال يستحق التأمل. كيف يمكن أن يتحول النقاش حول تشريع عراقي إلى ساحة تتداخل فيها مواقف وافدين من خلفيات اجتماعية وثقافية مختلفة، في وقت لا يزال فيه المواطن العراقي نفسه يبحث عن مساحة كافية لمناقشة شؤونه ومطالبه بحرية واطمئنان؟
إن الاعتراض أو التأييد حق لا تتحدد قيمته بجنسية صاحبه، وإنما بمضمونه واحترامه للقانون. وليس المطلوب إسكات أحد أو مصادرة رأيه، بل أن يبقى القرار العراقي مسؤولية عراقية، وأن تُناقش التشريعات من خلال المؤسسات الدستورية المختصة، بعيداً عن الاستفزاز أو الانتقاص من أي شعب أو جنسية.
فاحترام خصوصية المجتمعات لا يعني الانغلاق، كما أن الانفتاح على الآخرين لا يعني التخلي عن حق المجتمع في إدارة شؤونه. وبين الأمرين مساحة واسعة يمكن أن تتعايش فيها الضيافة العربية الأصيلة مع سيادة القانون، ويحفظ فيها العراق كرامة ضيوفه وحقوق مواطنيه، من دون أن تتحول الاختلافات التشريعية إلى أسباب للتنافر الاجتماعي.
ولعل المسألة الأوسع التي تستحق النقاش لا تتعلق بالتشريعات وحدها، بل بقدرة الدولة على إدارة مواردها وخدماتها، ووضع سياسات واضحة للإقامة والعمل والسكن، تتناسب مع إمكاناتها الفعلية. فالترحيب بالآخرين قيمة إنسانية، لكنه يحتاج، مثل أي سياسة عامة، إلى تخطيط وإدارة ومؤسسات قادرة على استيعاب المتغيرات.
فالمواطن العراقي لا يطالب بأن يُغلق وطنه أبوابه في وجه الآخرين، بقدر ما يريد أن يشعر بأن أبواب الحقوق والخدمات مفتوحة أمامه هو أيضاً، وأن ثروات بلاده تُدار بما يحقق مصلحته ومصلحة الأجيال القادمة.
وهنا يبقى السؤال الذي يستحق أن نختم به. إلى متى يمكن أن يستمر الانفتاح من دون تخطيط يوازيه، وتتحمل الميزانية والخدمات أعباءً متزايدة من دون معالجة جادة؟
أليس من حق المواطن العراقي أن يشعر بأن وطنه يتسع للجميع، من دون أن يضيق به هو؟
فالوطن ليس حافلة بلا تذاكر، ولا فندقاً تُقاس قيمته بعدد نزلائه؛ الوطن بيت له أبواب، وقانون ينظم شؤونه، ومواطنون من حقهم أن يجدوا فيه الأمن والكرامة والعدالة.