هذا هو يوم سقوط أوروبا حين تدفع الشعوب ثمن أوهام العظمة وغرور الغرب..!
د. إسماعيل النجار ||

من واشنطن إلى العواصم الأوروبية، تتصاعد الأسئلة في الشوارع إلى متى تبقى ثروات الشعوب وقوداً للحروب، وإلى متى تظل لقمة العيش رهينة صراعات القوى الكبرى؟
في قلب العالم الغربي، حيث رُفعت شعارات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان لعقود طويلة، تتجدد الاحتجاجات وتتسع الأسئلة المحرجة. وفي الولايات المتحدة، يخرج المحتجون للاعتراض على سياسات دونالد ترامب، وعلى غلاء المعيشة والحروب وتركيز السلطة، ويرفع بعضهم شعارات ترفض حكم الفرد وتطالب بوضع مصالح المواطنين فوق حسابات القوة والنفوذ.
إنها مفارقة تستحق التأمل كيف يمكن لدول تتحدث باسم الحرية أن تجد نفسها أمام شعوب تسأل عن جدوى السياسات التي تستنزف مواردها، وتثقل كاهلها، وتدفع الأجيال الجديدة إلى القلق على مستقبلها؟ وكيف يمكن للديمقراطية أن تحتفظ بمصداقيتها إذا بقيت صناديق الاقتراع عاجزة عن ترجمة مطالب الناس إلى قرارات تغيّر واقعهم؟
إن الخطر لا يكمن في خروج الناس إلى الشوارع، بل في أن تصبح أصواتهم عاجزة عن التأثير في القرار السياسي.
أوروبا اليوم من قمة المجد إلى امتحان البقاء
وهي التي بنت جانباً مهماً من قوتها التاريخية على التوسع الاستعماري والسيطرة على موارد شعوب آسيا وإفريقيا، فتواجه اليوم امتحاناً اقتصادياً واستراتيجياً معقداً. لقد تراكمت ثروات أوروبية في مراحل تاريخية ارتبطت باستغلال المستعمرات ونهب الموارد وفرض النفوذ بالقوة، وهي حقائق لا يمكن محوها من صفحات التاريخ بمجرد الحديث عن القيم الغربية الحديثة.
لكن التاريخ لا يمنح أحداً حصانة أبدية. فالقوة التي لا تجدّد مصادر إنتاجها، ولا تحمي استقلال قرارها، ولا توازن بين طموحاتها الخارجية واحتياجات مواطنيها، تصبح عرضة للإهتزاز عندما تتغير موازين الإقتصاد والتكنولوجيا والطاقة.
واليوم، تجد الدول الأوروبية نفسها أمام تحديات متشابكة منافسة صناعية شرسة، وضغوط على الموازنات العامة، وتكاليف دفاعية متزايدة، وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، إلى جانب خلافات حول الهجرة والطاقة ومستقبل الاتحاد الأوروبي.
ليست بالضرورة أوروبا على حافة الانهيار ، لكنها تقف أمام سؤال مصيري هل تستطيع الحفاظ على مكانتها الدولية من دون أن تحوّل اقتصادها إلى ماكينة تسليح، وسياساتها الخارجية إلى سلسلة من المواجهات المفتوحة؟
أوكرانيا هي فاتورة الحرب التي لا يدفعها السياسيون وحدهم
فمنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، خصصت الدول الأوروبية موارد مالية وعسكرية كبيرة لدعم كييف، في إطار موقف تعتبره حكوماتها دفاعاً عن سيادة أوكرانيا والأمن الأوروبي. وفي المقابل، يحذر منتقدو هذا النهج من أن استمرار الحرب يرفع تكلفتها الاقتصادية والسياسية، ويؤخر توجيه مزيد من الموارد إلى الخدمات العامة والاستثمار والإنتاج.
وهنا تبرز القضية التي لا يمكن تجاهلها من يدفع الفاتورة النهائية؟ إنها ليست القيادات السياسية وحدها، ولا شركات السلاح وحدها، بل المواطن الذي يواجه ارتفاع الأسعار، والعائلة التي تحسب نفقاتها حتى نهاية الشهر، والعامل الذي يخشى على وظيفته، والشاب الذي لا يرى في المستقبل سوى الضرائب والالتزامات والقلق.
ولا يعني ذلك أن كل إنفاق دفاعي هدر، أو أن دعم أوكرانيا بلا مبررات أمنية، فهذه مسائل تتعلق بتقدير المخاطر والمصالح. لكن السؤال المشروع هو أين تنتهي ضرورات الدفاع، وأين تبدأ دوامة الاستنزاف التي يصعب الخروج منها؟
إن الحرب التي لا يرافقها مسار سياسي جاد لإنهائها قد تتحول إلى نزيف طويل، تتراكم فيه الخسائر بينما تتراجع فرص التسوية.
وحينها يتحول القرار السياسي إلى عبءٍ معيشي، وهذه كشفت مدى حساسية الاقتصادات الصناعية تجاه الإمدادات والأسعار والتحولات الجيوسياسية. وأدى تراجع الاعتماد على الغاز الروسي بعد الغزو لأوكرانيا، إلى جانب اضطرابات الأسواق العالمية، إلى إعادة تشكيل سياسات الطاقة الأوروبية ورفع الضغوط على قطاعات واسعة من الاقتصاد.
قدّمت الحكومات الأوروبية خياراتها باعتبارها ضرورة استراتيجية لتقليل الاعتماد على موسكو، فيما رأى منتقدون أن سرعة التحول وتكاليفه أثقلتا الاقتصاد والصناعة والمستهلكين. لكن النتيجة الأهم هي أن أمن الطاقة لا يتحقق بالشعارات، بل بتعدد المصادر، وبناء القدرات المحلية، والاستثمار في البنية التحتية، ووضع خطط تحمي المواطنين من تقلبات الأسواق والصراعات. فما قيمة الاستقلال السياسي إذا كان ثمنه اقتصاداً هشاً؟ وما جدوى القوة الدولية إذا عجزت عن ضمان الطاقة بأسعار محتملة، أو توفير فرص العمل، أو حماية القدرة الشرائية للمواطنين؟
أمريكا أولًا أم أوروبا التابعة التي تواجه معضلة علاقتها بالولايات المتحدة. فمن جهة، ترى دول أوروبية أن الشراكة الأطلسية عنصر أساسي في أمنها، خصوصاً في ظل الحرب الروسية الأوكرانية. ومن جهة أخرى، تتصاعد الدعوات إلى بناء استقلال استراتيجي أوروبي يسمح للقارة باتخاذ قراراتها وفق مصالحها، لا وفق حسابات واشنطن وحدها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى كيف يمكن لقارة تمتلك اقتصاداً متقدماً، وقاعدة صناعية وعلمية واسعة، وسوقاً ضخمة، أن تتحدث عن الاستقلال بينما تظل بعض خياراتها الأمنية مرتبطة بدرجة كبيرة بحليفها الأمريكي؟
إن الاستقلال لا يعني القطيعة مع واشنطن، ولا التحالف مع موسكو، ولا استبدال تبعية بأخرى. بل يعني امتلاك القدرة على التفاوض، وتنويع الشراكات، وحماية المصالح الاقتصادية، ورفض الانجرار إلى صراعات لا تخضع لتقدير أوروبي مستقل.
أما في الشرق الأوسط، إن اتساع المواجهات وتهديد طرق الملاحة وإمدادات الطاقة يضعان أوروبا أمام اختبار إضافي هل تستطيع استخدام نفوذها الدبلوماسي لتخفيف التصعيد، أم ستكتفي بمراقبة الأحداث ثم دفع تكاليفها الاقتصادية؟ إن إغلاق المضائق أو تعطّل خطوط الإمداد لا يعاقب الخصوم وحدهم؛ فارتداداته تصل إلى المصانع والموانئ والأسواق وموائد المواطنين في أنحاء العالم.
إفريقيا وآسيا ستبقى ذاكرة الاستعمار لا تموت
ولا يمكن قراءة التحديات الأوروبية الراهنة من دون العودة إلى تاريخ الاستعمار. فقد راكمت القوى الأوروبية ثروات ونفوذاً عبر السيطرة على الأراضي والموارد والأسواق في إفريقيا وآسيا، وخلّفت وراءها في بلدان عديدة آثاراً اقتصادية وسياسية واجتماعية ما زالت موضع نقاش ومراجعة. ومع صعود قوى صناعية جديدة، وتزايد قدرة دول الجنوب على التفاوض وتنويع علاقاتها، لم تعد المعادلات القديمة مضمونة النتائج. فالعالم يتغير، ومصادر القوة لم تعد محصورة في السيطرة العسكرية أو امتلاك المستعمرات؛ بل أصبحت مرتبطة بالتكنولوجيا والإنتاج والمعرفة وسلاسل التوريد والقدرة على الابتكار. إن أوروبا مطالبة اليوم ببناء علاقات متكافئة مع دول الجنوب، تقوم على الاستثمار المتبادل ونقل التكنولوجيا واحترام السيادة، بدل الاكتفاء بخطاب الشراكة بينما تتواصل المنافسة على الموارد والنفوذ.
أما تحميل الإسلام أو المهاجرين مسؤولية الأزمات الاقتصادية والأمنية، فهو تبسيط يخلط بين قضايا مختلفة ويصرف الأنظار عن الأسباب الحقيقية للمشكلات. فالأزمات الاقتصادية تُفهم من خلال السياسات والأسواق والإنتاج والتوزيع، وتُعالج الملفات الأمنية بالأدلة والقانون، لا بالتعميم على أديان وشعوب بأكملها. وفي الوقت نفسه، فإن ملف الهجرة يحتاج إلى سياسات واضحة وعادلة، تراعي حقوق الإنسان واحتياجات سوق العمل وقدرة الخدمات العامة على الاستيعاب. فالمهاجرون ليسوا كتلة واحدة، كما أن المواطنين الأوروبيين ليسوا أصحاب مصالح متطابقة؛ والحلول الجادة تبدأ من فهم الواقع لا من صناعة الأعداء. ساعة الحقيقة تسأل هل تنتصر الشعوب أم تنتصر المصالح؟ إن أخطر ما يواجه الغرب ليس مجرد صعود منافسين دوليين، ولا ارتفاع أسعار الطاقة، ولا تعثر صفقة سياسية هنا أو هناك. الأخطر هو اتساع الفجوة بين ما تعد به الأنظمة وما يعيشه المواطنون، بين الخطاب عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وبين شعور قطاعات من الناس بأن قرارات الحرب والاقتصاد تُتخذ بعيداً عن أولوياتهم.
فالديمقراطية ليست صندوق اقتراع فحسب، بل قدرة مستمرة على محاسبة السلطة وتغيير السياسات وحماية الحقوق. وإذا شعر المواطن أن صوته لا يغيّر شيئاً، وأن أمواله تُستنزف بينما تتراجع الخدمات، فإن الثقة بالمؤسسات تصبح موضع اختبار شديد.
لكن سقوط أوروبا ليس قدراً محتوماً، كما أن انهيار النظام الغربي ليس نتيجة يمكن الجزم بها. فالقارة ما زالت تمتلك موارد بشرية وعلمية وصناعية ومؤسسات قادرة على الإصلاح. غير أن الحفاظ على هذه القدرات يتطلب مراجعة حقيقية للأولويات، لا الاكتفاء بتبرير الأزمات أو تحميل الآخرين مسؤوليتها.
على أوروبا أن تسأل نفسها بوضوح هل تريد أن تكون قوة اقتصادية تصنع المستقبل، أم ساحة تتصارع فوقها القوى الكبرى؟ هل تريد حماية شعوبها بالاستثمار والإنتاج والدبلوماسية،
أما الاستمرار في سباق التسلح لا يضمن وحده الأمن والاستقرار؟ وهل تستطيع الجمع بين التزاماتها الدولية وحق مواطنيها في حياة كريمة؟ وعلى الولايات المتحدة أيضاً أن تدرك أن قوة الدولة لا تُقاس بحجم ترسانتها وحدها، بل بقدرتها على حماية مجتمعها من الانقسام، وتأمين مستقبل أجيالها، واحترام إرادة مواطنيها.
إن ساعة الحقيقة لا تعني بالضرورة سقوط قارة، بل سقوط أوهام قديمة مثل وهم القوة بلا تكلُفة، والاستقرار بلا عدالة، والهيمنة بلا مقاومة، والأمن بلا تسوية سياسية.
فالشعوب لا تحتاج إلى مزيد من الخُطَب عن المجد، بل إلى اقتصاد يوفر لها الحياة الكريمة، وسياسة تحمي مصالحها، ودبلوماسية تمنع الحروب قبل أن تتحول إلى كوارث.
أما إذا استمرت الحكومات في تقديم السلاح على التنمية، والتصعيد على الحوار، والمنافسة الصفرية على التعاون، فإن الثمن لن تدفعه العواصم وحدها، بل سيدفعه المواطنون في الغرب والشرق، وفي الشمال والجنوب.
فالتاريخ لا يسقط الدول لأنها فقدت بعض قوتها فحسب، بل لأنه يكشف، مرة بعد مرة، أن القوة التي تنفصل عن مصالح الشعوب تتحول من مصدر للنفوذ إلى عبء على أصحابها.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي هل تتعلم أوروبا والولايات المتحدة من دروس هذه المرحلة، أم أنهمآ ستواصلان السير في طريق ترتفع فيه كلفة المواجهة بينما تضيق مساحة الحلول؟
ذلك هو الامتحان الذي سيحدد مكانة الغرب في عالم يتغير، لا الشعارات وحدها، ولا أصداء المدافع، بل قدرة السياسة على إنقاذ الإنسان من أن يكون الوقود الدائم لصراعات الآخرين.
بيروت في،،،22/10/2026




