إيران بين حافة الحرب ومناورات القوى الكبرى ..!
طه حسن الأركوازي ||
.
تُقاس خطورة المواجهة الأميركية-الإسرائيلية مع إيران بحجم الدمار الذي قد تُحدثه الضربات العسكرية داخل الأراضي الإيرانية فحسب ، بل بقدرتها على إعادة تشكيل خرائط النفوذ وموازين الردع في الشرق الأوسط ، وفتح مرحلة جديدة من الصراع على قيادة النظام الإقليمي وحدود القوة والتأثير فيه ، فالمسألة لم تعد مُجرد مُواجهة عسكرية بين أطراف مُتخاصمة ، بل أختبار لإرادات سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود المنطقة .
في هذا السياق ، تكتسب التحركات الروسية والصينية أهمية خاصة ، لكنها لا تعني بالضرورة إصطفافاً مُطلقاً إلى جانب طهران ، بقدر ما تعكس رفضاً لأحتكار واشنطن قرار الحرب والسلم ، وخشية من أن يؤدي أنهيار التوازنات الإقليمية إلى تداعيات تتجاوز قُدرة القُوى الكُبرى نفسها على أحتوائها .
فموسكو تنظر إلى الأزمة من زاوية إعادة تثبيت موقعها الدولي ، وتوسيع هامش تأثيرها في ملفات الطاقة والأمن والنظام العالمي ، فضلاً عن أستثمار أنشغال الولايات المتحدة في جبهة جديدة قد تؤثر في أولوياتها الاستراتيجية .
أما بكين ، فتتعامل مع المشهد بمنطق المصالح الاقتصادية والاستقرار الدولي ، إذ ترتبط حساباتها بأمن إمدادات الطاقة ، وأستمرار التجارة ، وحماية طرق النقل والممرات البحرية الحيوية .
ومع ذلك ، فإن تقاطع المصالح الروسية والصينية مع طهران لا يعني وجود التزام عسكري بالدفاع عنها ، فلكل من موسكو وبكين حساباتهما الخاصة ، وهما تدركان أن الانخراط في حرب مفتوحة قد يفرض عليهما تكاليف سياسية وأقتصادية وأستراتيجية لا تتناسب بالضرورة مع المكاسب المُحتملة .
في المقابل ، تواجه الولايات المُتحدة وإسرائيل مُعادلة أكثر تعقيداً مما توحي به مُؤشرات التفوق العسكري والتكنولوجي ، فالقُدرة على توجيه ضربات مُؤثرة لا تعني بالضرورة القُدرة على حسم الحرب ، كما أن إضعاف المُنشآت العسكرية والنووية الإيرانية لا يضمن إنهاء قدرات الردع أو تفكيك منظومة النفوذ الإقليمي التي بنتها طهران على مدى عقود .
وهنا تكمن المُفارقة الاستراتيجية ، فكلما أتسعت الضربات وتجاوزت أهدافاً عسكرية محددة ، إزدادت أحتمالات أنتقال المُواجهة إلى مُستويات أكثر خطورة ، سواء عبر أستهداف القواعد العسكرية ، أو تهديد الملاحة البحرية ، أو توسيع نطاق العمليات بواسطة حلفاء إيران في المنطقة ، الأمر الذي قد يحوّل المُواجهة المحدودة إلى صراع إقليمي مُتعدد الجبهات .
أما الحديث عن «لحظة هيروشيما»، فينبغي التعامل معه بحذر ودقة ، بأعتباره توصيفاً لمخاوف التصعيد العسكري الساحق ، وليس دليلاً على وجود قرار بأستخدام السلاح النووي ، فهناك فارق جوهري بين التهديد السياسي ، والخيارات العسكرية المطروحة ، والقرار الاستراتيجي الفعلي بأستخدام أسلحة ذات طبيعة تدميرية أستثنائية ، والخلط بين هذه المُستويات لا يخدم فهم طبيعة الأزمة ، بل يفتح المجال أمام التهويل والتضليل .
ومن الناحية الاقتصادية ، لا تقتصر تداعيات الحرب المُحتملة على الدول المُتواجهة ، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله ، فمضيق هرمز يمثل شرياناً حيوياً لتجارة الطاقة الدولية ، وأي أضطراب واسع في حركة الملاحة فيه قد يؤدي إلى أرتفاع أسعار النفط والغاز ، وزيادة تكاليف النقل والتأمين ، وأضطراب سلاسل الإمداد ، فضلاً عن أنعكاسات تضخمية على الأسواق العالمية .
وهنا تتحول الجغرافيا البحرية إلى أداة ضغط أستراتيجي لا تقل أهمية عن القوة العسكرية .
فإيران تُدرك أن قُدرتها على التأثير في أمن الممرات البحرية تمنحها أوراقاً تفاوضية ، لكنها تُدرك أيضاً أن أستخدام هذه الأوراق بصورة مُفرطة قد يستدعي تدخلاً دولياً واسعاً ، ويحوّل الضغوط المفروضة عليها إلى أزمة دولية يصعب أحتواؤها .
أما الولايات المتحدة ، فإنها تواجه تحدياً يتجاوز القدرة على تحقيق تفوق عسكري ميداني ، إذ يتعين عليها المُوازنة بين إضعاف القدرات الإيرانية ، وتجنب الانزلاق إلى حرب أستنزاف طويلة ، والحفاظ على أستقرار أسواق الطاقة ، ومنع خصومها الدوليين من أستثمار أشغالها في الشرق الأوسط لتوسيع نفوذهم في مناطق أخرى .
ومن هنا ، فإن الرهان على الحسم العسكري السريع قد يكون محفوفاً بالمخاطر ، لأن الحروب لا تُحسم دائماً وفق حسابات القوة النارية ، بل وفق القدرة على تحمّل الخسائر ، وإدارة التصعيد ، والحفاظ على التماسك الداخلي ، وتحويل المكاسب العسكرية إلى نتائج سياسية قابلة للاستمرار .
وفي تقديري ، فإن جوهر الصراع لا يتعلق بمُستقبل البرنامج النووي الإيراني وحده ، بل بطبيعة الدور الذي ستؤديه إيران في النظام الإقليمي المُقبل ، وبحدود النفوذ الأميركي ، وبمدى قُدرة القوى الدولية الأخرى على إعادة توزيع موازين التأثير ، ولذلك فإن توقف العمليات العسكرية إن حدث لن يعني بالضرورة أنتهاء الصراع ، بل قد يُمثل أنتقاله من المُواجهة المُباشرة إلى مرحلة جديدة من الردع والضغط والتفاوض وإعادة ترتيب التحالفات .
ختاماً .. إن أخطر ما في هذه المواجهة ليس أحتمال أندلاع الحرب فحسب ، بل أحتمال أن تتحول من وسيلة لفرض التوازن إلى سبب لانهياره ، فالتفوق العسكري “الأميركي-الإسرائيلي” لا يضمن تحقيق سلام مُستدام ، كما أن أمتلاك إيران أوراقاً إقليمية مُؤثرة لا يمنحها حصانة من تداعيات التصعيد ، ولا يعني أن روسيا والصين مستعدتان لتحمل كلفة المواجهة نيابة عنها .
إن “موسكو و بكين” قد تستفيدان من أنشغال “واشنطن و طهران” قد تراهن على إطالة أمد الصراع ورفع كُلفته ، فيما تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إعادة صياغة مُعادلة الردع بالقوة .
لكن جميع هذه الحسابات تصطدم بحقيقة أستراتيجية واحدة ليس كُل ما يمكن تحقيقه عسكرياً قابلاً للتحقيق سياسياً ، ففي عالم تتشابك فيه المصالح وتتداخل فيه موازين القوة ، قد تكون القدرة على منع الحرب أكثر أهمية من القدرة على خوضها ، وقد يكون الانتصار الحقيقي هو تجنب مُواجهة لا يستطيع أي طرف ضمان نهايتها أو التحكم بتداعياتها ، فالحروب قد تبدأ بقرار ، لكنها نادراً ما تنتهي وفق إرادة من أشعلها …!




