الأربعاء - 07 اكتوبر 2026

القصة التاسعة: حين أصيب خط الصد.. من مجموعة خط الصد الأول..!

منذ 4 ساعات
الأربعاء - 07 اكتوبر 2026

 تأليف جليل هاشم البكاء ||

 

 

 

لم يكن خبرًا عاديًا.

ففي تلك الأيام، كانت أخبار الإصابات تصل إلى الناس كل يوم، حتى كادت المدينة تحفظ لغة الوباء: إصابة جديدة، حالة حرجة، حجر صحي، عزل، شفاء.

ولكن بعض الأسماء كانت حين تُذكر تجعل الخبر مختلفًا.

وكان اسم الدكتور خضير هزبر الأسدي واحدًا منها.

فقد كان من أولئك الذين عرفهم الناس في الصفوف الأولى، من الذين دخلوا إلى الأماكن التي كان الآخرون يخشون الاقتراب منها، وحملوا مسؤولية علاج المصابين وهم يعرفون أن الخطر لا يميز بين طبيب ومريض.

ولهذا، حين انتشر خبر إصابته، لم يتعامل الناس معه كخبر عن طبيب أصيب.

كان الأمر أشبه بأن جزءًا من خط الصد نفسه قد تلقى ضربة.

وصل الخبر إلى الزملاء.

ثم إلى الأصدقاء.

ثم إلى الناس الذين عرفوا خضير، أو سمعوا عنه، أو رأوه في المستشفى وهو ينتقل من مريض إلى آخر.

كان السؤال يتكرر: كيف أصيب خضير؟

لكن السؤال الحقيقي الذي كان يختبئ خلفه كان أكبر: إذا أصيب أحد الذين يقفون في المقدمة، فمن يقف مكانه؟

كانت الجائحة قد بدأت تكشف أن المعطف الأبيض لا يمنح صاحبه حصانة، وأن الخبرة لا تمنع الفيروس من الوصول، وأن الشجاعة لا تعني أن الإنسان لا يمرض.

كان خضير يعرف ذلك، لكنه كان يعرف أيضًا أن المرضى لا يستطيعون الانتظار حتى يصبح العالم آمنًا.

ثم جاء الخبر الأكثر إيلامًا.

لم تكن الإصابة قد توقفت عند خضير. لقد أصيب أفراد العائلة. حتى زوجته، وهي طبيبة تخدير، تلك التي كانت تعرف جيدًا معنى أن تكون قريبًا من المريض في أكثر لحظاته هشاشة، وجدت نفسها هذه المرة في موقع المريضة.

دخل المرض إلى البيت الذي كان يعرف جيدًا كيف يواجه المرض في المستشفى. وفجأة أصبح البيت نفسه أشبه بجناح آخر من أجنحة العزل.

كانت المفارقة قاسية. فالذين اعتادوا أن يطمئنوا الآخرين، أصبحوا هم الذين يحتاجون إلى من يطمئنهم. والذين كانوا يقولون للمريض لا تخف، أصبحوا هم أنفسهم يعرفون معنى الخوف حين يأتي المرض إلى البيت.

وفي الخارج، كانت المدينة تتابع أخبارهم. لم يكن الناس يعرفون كل التفاصيل، لكنهم كانوا يعرفون أن أحد أبطال خط الصد الأول قد أصيب، وأن الإصابة وصلت إلى عائلته.

وكان لهذا الخبر أثر نفسي مختلف. فإذا كان الطبيب الذي يواجه المرض كل يوم قد أصيب، فما الذي يمنح الآخرين الأمان؟

لكن الجواب كان حاضرًا في مكان آخر. الأمان لم يكن في أن الأطباء لا يصابون. الأمان كان في أنهم، رغم إصابتهم، كانوا قد وقفوا في مكانهم عندما احتاجهم الناس.

كان خضير قد دخل المعركة وهو يعرف أن الاحتمال قائم. وكانت زوجته تعرف ذلك أيضًا. لم يكونا يملكان وعدًا بأنهما سيخرجان سالمين. كانا يملكان شيئًا آخر: المسؤولية.

وفي تلك الأيام، كان العاملون في المستشفى يعيشون المفارقة نفسها كل يوم. يدخلون إلى المرضى وهم يعرفون أنهم قد يصبحون مرضى، ويعودون إلى بيوتهم وهم لا يعرفون هل يحملون معهم الطعام أم العدوى.

لكن إصابة خضير وعائلته جعلت هذه المفارقة أكثر وضوحًا. فالبيت الذي كان ينبغي أن يكون ملاذًا أصبح هو الآخر ساحة للمعركة.

وكانت زوجته، طبيبة التخدير، تعرف أكثر من غيرها أن المرض ليس مجرد ارتفاع حرارة أو ضيق تنفس، وأن الإنسان، مهما كان طبيبًا، يبقى في النهاية إنسانًا.

وهذه هي النقطة التي أرادت الجائحة أن تعلمها للجميع: أن الطبيب ليس آلة، وأن الممرض ليس آلة، وأن رجل الإسعاف ليس آلة. كل واحد منهم له بيت، وله أم تنتظره، وله زوجة أو زوج، وله أبناء، وله خوف لا يظهر عندما يرتدي ملابس العمل.

حين وصل الخبر إلى الدكتور ضياءخلفالعمري، وحين تداوله الزملاء، كان الشعور واحدًا: لا أحد فوق الخطر. وكان اسم خضير يذكرهم بأن خط الصد الأول نفسه يحتاج إلى من يسنده.

فالطبيب الذي يواجه المرض يحتاج إلى مجتمع يحميه، والعائلة التي تعيش معه تحتاج إلى من يفهم ظروفها، والمريض يحتاج إلى طبيب سليم يستطيع أن يقف إلى جانبه.

وهكذا بدأت المدينة تنظر إلى الأمر بصورة مختلفة. لم تعد حماية الكوادر الطبية مسؤولية المستشفى وحده. كانت مسؤولية الجميع. أن يقلل الناس من اختلاطهم، وأن يلتزموا بالتعليمات، وأن يفهموا أن استهتار فرد قد ينتهي بإصابة طبيب، وإصابة الطبيب قد تعني غياب يد يحتاجها عشرات المرضى.

أما خضير وعائلته، فقد عاشوا التجربة من الجهة الأخرى. لم يعد هو الطبيب الذي يقف خلف سرير المريض، صار واحدًا من الذين يحتاجون إلى العناية. ولم تعد زوجته طبيبة التخدير التي تساعد المرضى في أصعب لحظاتهم، أصبحت هي الأخرى بحاجة إلى أن تمتد إليها يد الرعاية.

وفي هذه المفارقة كان درس الجائحة واضحًا: من يعتني بالآخرين ليس بعيدًا عن الحاجة إلى من يعتني به.

ظل خبر إصابة الدكتور خضير هزبر الأسدي حاضرًا في ذاكرة المدينة. ليس لأنه كان أول طبيب يصاب، ولا لأنه كان آخر من أصيب، بل لأن الناس أدركوا من خلاله أن الذين يقفون في مقدمة المشهد ليسوا محصنين من الخطر. هم فقط اختاروا أن يكونوا أقرب إليه.

وكانت إصابة خضير وعائلته تذكيرًا قاسيًا بأن خط الصد الأول لا يتكون من أبطال خارقين. إنه يتكون من بشر يخافون ويتعبون ويمرضون، لكنهم، رغم كل ذلك، ينهضون عندما يستطيعون.

ولذلك حين عاد الحديث عن خضير بين الناس، لم يكن الحديث عن طبيب أصيب فقط. كان الحديث عن رجل كان في الصفوف الأولى، ثم وجد نفسه فجأة داخل الصف الذي كان يحاول حمايته.

وكانت المدينة، للمرة الأولى، ترى بوضوح أن المعركة لم تكن بين المرض والأطباء وحدهم. كانت معركة مجتمع كامل. وأن حماية خط الصد الأول تبدأ أحيانًا من أبسط شيء: أن نحمي أنفسنا حتى لا نتركهم وحدهم في الميدان.

بقلم جليل هاشم البكاء