الثلاثاء - 06 اكتوبر 2026
منذ 12 دقيقة
الثلاثاء - 06 اكتوبر 2026

اللواء المتقاعد مانع الزاملي ||

 

 

 

لأكثر من عشر سنوات، لم يعد اليمن دولة واحدة في الواقع، بل ثلاث خرائط متداخلة. دولة في صنعاء تسيطر على الشمال، وحكومة معترف بها دولياً في عدن، وسلطات محلية في حضرموت والمهرة، وبينها ملايين اليمنيين الذين لم يختاروا الحرب لكنهم يدفعون ثمنها يومياً. ما يجري اليوم في باب المندب والمخا هو ليس معركة جديدة، بل استمرار لنفس السؤال القديم: من يقرر مصير اليمن؟

يمكن فهم المشهد الحالي من ثلاث زوايا:

أولاً: يمنياً، الصراع ليس مذهبياً كما يصور.
اليمن تاريخياً بلد تعايش مذهبي، زيدية في الشمال وشافعية في الساحل والجنوب، وكانوا يصلون في مسجد واحد. الحوثيون حركة يمنية عربية، جذورها يمنية قديمة في صعدة، وتتبنى المذهب الزيدي الجارودي، لكن مشروعها السياسي بعد 2004 ارتبط بدعم عسكري وسياسي من إيران. في المقابل، الحكومة المعترف بها مدعومة سياسياً وعسكرياً من السعودية والإمارات. كلا الطرفين يمني عربي، لكن كلا الطرفين أيضاً مرتبط بمحور إقليمي.

ثانياً: شعبياً، الناس لا تبحث عن عقيدة بل عن ماء وكهرباء.
سكان المخا وباب المندب شافعية سنة، ولا يوجد لهم ارتباط مذهبي بالحوثي، كما أن سكان صعدة لا يرتبطون مذهبياً بالسلفية. التجربة أثبتت أن السكان يتعاطفون مع من يوفر لهم الأمن والميناء والمدرسة، ويرفضون من يمنعهم من الصيد أو يفرض عليهم جبايات. لهذا، المعارك العسكرية تتغير بسرعة، لأن الحاضنة الشعبية ليست عقائدية بل مصلحية ومعيشية.

ثالثاً: إقليمياً، باب المندب ليس قضية يمنية فقط.
باب المندب يمر منه 12% من التجارة العالمية. أي صاروخ يطلق منه لا يؤثر على اليمنيين فقط، بل على مصر وأوروبا والعالم. لذلك تدخلت قوى إقليمية ودولية، وكل طرف يريد أن يمنع الطرف الآخر من التحكم بالمضيق، حتى لو كان الثمن استمرار الحرب.

ما يجري في اليمن ليس حرباً بين سنة وشيعة، ولا بين عرب وفرس، بل حرب بين مشروعين: مشروع دولة وطنية يمنية قرارها في الداخل، ومشروع سلطة أمر واقع قرارها مرتبط بالخارج، سواء كان الخارج في طهران أو في أي عاصمة أخرى.

الحل ليس عسكرياً فقط، لأن السمكة لا تموت إلا إذا جف الماء، والماء هنا هو الناس. عندما يملك اليمنيون حق انتخاب مجالسهم المحلية وإدارة موانئهم بأنفسهم، ستنتهي حاجة أي طرف للسلاح الخارجي. اليمنيون عرب أقحاح، سنة وشيعة، زيدية وشافعية، وهم أقدم من كل المحاور التي تتصارع فوق أرضهم، ولن يستقر اليمن إلا إذا كان قراره يمنيا خالصا مع مراعاة مطالب شعبه دون وصاية.