المعلومة… هل تتحول إلى أداة للمضاربة وجني الأرباح ؟!
الخبير المهندس حيدر عبد الجبار البطاط ||

دعوة إلى إنشاء منظومة رقابية تمنع استغلال المعلومات غير المنشورة في الأسواق المالية
في الاقتصاد الحديث لم تعد المعلومة مجرد خبر
المعلومة قد تكون مالاً.
وقد تكون أحياناً أكثر قيمة من المال نفسه عندما تكون معلومة غير معلنة بعد ويترتب على إعلانها ارتفاع أو انخفاض سعر سهم أو عملة أو سلعة أو أصل مالي.
وهنا تظهر واحدة من أخطر مناطق التداخل بين الوظيفة العامة والأسواق المالية.
ماذا يحدث إذا وصلت معلومة حكومية حساسة إلى شخص أو شركة أو منصة تداول قبل إعلانها رسمياً ؟
وماذا يحدث إذا استُخدمت هذه المعلومة في شراء أو بيع أصل مالي قبل أن يعرف بها بقية المستثمرين ؟
إننا لا نتحدث هنا عن الاستثمار الطبيعي ولا عن قدرة المستثمر على تحليل الأخبار وإنما عن احتمال استغلال المعلومة غير المتاحة للجمهور لتحقيق منفعة مالية خاصة.
وهذه مسألة يجب أن تكون محل اهتمام جدي من الجهات الرقابية .
أولاً: – المعلومة الحكومية يمكن أن تحرك الأسواق بشكل عام
قرارات الحكومات والبنوك المركزية ووزارات المالية والنفط والطاقة والتجارة وغيرها يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في
* أسعار العملات.
* الأسهم.
* السندات.
* النفط ومشتقاته.
* الذهب والسلع.
* عقود المشتقات.
* عقود الفروقات CFDs.
* الأسواق العالمية المرتبطة بالقرار أو الخبر.
ولهذا فإن معرفة القرار قبل الإعلان الرسمي قد تمنح المتداول ميزة زمنية لا يملكها بقية السوق.
وفي الأسواق الإلكترونية الحديثة قد تكون المسألة مسألة ثوانٍ أو حتى أجزاء من الثانية
ثانياً: – القضية ليست في ( التغريدة ) وإنما في أسبقية المعلومة
شهدت الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة أمثلة توضح حجم الحساسية التي أصبحت تحيط بالمعلومات الصادرة عن الشخصيات السياسية المؤثرة في الأسواق.
وفي يوليو وأغسطس 2026 أثارت خطة مرتبطة بشركة Trump Media لبيع وصول سريع إلى منشورات مؤثرة على منصة Truth Social اهتماماً رقابياً وسياسياً بعدما قُدم المنتج باعتباره وسيلة تمنح مؤسسات التداول وصولاً أسرع إلى منشورات يمكن أن تحرك الأسواق.
وقد طُلب من هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية بحث المخاطر القانونية والتنظيمية المرتبطة بذلك. ( Investing.com )
لكن يجب التفريق هنا بين أمرين
تأثير تصريح سياسي معلن على السوق أمر معروف اقتصادياً أما تسريب المعلومة قبل إعلانها أو منح طرف معين وصولاً تفضيلياً إليها ثم التداول على أساسها فمسألة أخرى تماماً.
وهذا هو جوهر الموضوع الذي يجب أن تنتبه إليه الجهات الرقابية في العراق.
ثالثاً: – أين تكمن الخطورة ؟
اي بلد يمتلك اقتصاداً شديد الحساسية للنفط والدولار والسياسة النقدية والإنفاق الحكومي.
وبالتالي فإن بعض المعلومات الحكومية يمكن أن تكون ذات قيمة مالية كبيرة خصوصاً المعلومات المتعلقة بـ
* صادرات النفط وكميات التصدير.
* عقود النفط والطاقة.
* أسعار البيع والتسعير.
* قرارات البنك المركزي.
* السياسة النقدية.
* سعر الصرف.
* احتياطيات النقد الأجنبي.
* قرارات الاستيراد والتحويلات الخارجية.
* العقوبات أو القيود المالية.
* المشاريع الحكومية الكبرى.
* التخصيصات والاستثمارات الحكومية.
* قرارات الشركات الحكومية.
* تغييرات التعرفة والرسوم.
* القرارات التي تؤثر في شركات مدرجة أو قطاعات اقتصادية معينة.
فإذا حصل شخص على إحدى هذه المعلومات قبل إعلانها ثم استخدمها بصورة مباشرة أو غير مباشرة في التداول فإن السؤال الرقابي يصبح
هل تحولت الوظيفة العامة إلى مصدر لمعلومة قابلة للتحويل إلى ربح خاص؟
رابعاً: – الأخطر هو «سلسلة تسريب المعلومة»
قد لا يقوم المسؤول نفسه بعملية التداول.
وهنا تكمن صعوبة الرقابة.
يمكن تصور السلسلة الآتية
مسؤول حكومي → موظف أو مستشار → شخص مقرب أو وسيط → شركة تداول → حساب مالي → عملية شراء أو بيع → ربح
وقد تكون السلسلة أكثر تعقيداً
المعلومة → شخص مقرب → شركة → حساب شخص ثالث → منصة خارجية → تحويل الأرباح إلى حساب آخر.
لذلك فإن التحقيق التقليدي الذي يسأل
هل المسؤول اشترى أو باع؟
قد لا يكون كافياً.
السؤال الأكثر أهمية هو:
من حصل على المعلومة؟ ومتى حصل عليها؟ ومن تداول بعدها؟
خامساً: – يجب إنشاء ( بصمة زمنية ) للمعلومة
هذه من أهم النقاط الفنية التي أقترح اعتمادها رقابياً.
يجب أن تستطيع الجهات الرقابية تحديد
متى أُنشئت المعلومة؟
من اطلع عليها؟
متى اطلع عليها؟
متى نُقلت؟
إلى من نُقلت؟
متى أصبحت متاحة للجمهور؟
ومتى بدأت عمليات التداول المرتبطة بها؟
وهنا يمكن استخدام السجلات الإلكترونية
* البريد الإلكتروني.
* أنظمة إدارة الوثائق.
* سجلات الدخول إلى الملفات.
* الرسائل الرسمية.
* سجلات الاتصالات وفق الأطر القانونية.
* سجلات الأنظمة الحكومية.
* توقيت إصدار القرار.
* توقيت نشره.
* سجلات أوامر التداول.
* سجلات الوسطاء.
* سجلات المنصات المرخصة.
* التحويلات المصرفية.
* بيانات المستفيد الحقيقي.
وبذلك يتحول التحقيق من مجرد شبهة أو انطباع إلى تحليل زمني قابل للإثبات.
سادساً: – لا بد من مراقبة ( الأرباح غير الطبيعية )
هناك مؤشر فني بالغ الأهمية.
إذا كان مسؤول أو موظف أو شخص مرتبط به قد علم بقرار حساس ثم ظهرت بعد فترة قصيرة عملية تداول كبيرة في أصل مالي يتأثر بهذا القرار فيجب أن تدخل العملية ضمن نظام إنذار رقابي.
ليس معنى ذلك أن الشخص مذنب.
ولكنها تعني أن العملية تستحق الفحص.
مثلاً
قرار حكومي يؤثر في قطاع معين.
ثم قبل الإعلان الرسمي بساعات.
* يرتفع حجم التداول بصورة غير معتادة.
* تظهر أوامر شراء كبيرة.
* يتم فتح مراكز مالية برافعة عالية.
* وبعد الإعلان مباشرة يتحقق ربح استثنائي.
هنا يجب أن تسأل الجهة الرقابية
هل كانت العملية نتيجة تحليل مشروع للسوق أم نتيجة الحصول على معلومة غير متاحة للجمهور؟
سابعاً : – ماذا يجب أن تفعل الجهات الرقابية ؟
أقترح إنشاء منظومة وطنية لرصد إساءة استخدام المعلومات الحكومية في الأسواق المالية، تعمل بصورة مشتركة بين الجهات المختصة، كلٌّ ضمن صلاحياته القانونية.
وتتضمن المنظومة
1 ـ سجل للمعلومات الحساسة
تصنيف القرارات والمعلومات الحكومية التي يمكن أن تؤثر في الأسواق.
2 ـ سجل الأشخاص الذين اطلعوا عليها
كل موظف أو مسؤول أو مستشار أو جهة لديها وصول إلى المعلومة.
3 ـ ختم زمني إلكتروني
تسجيل الوقت الدقيق لإنشاء المعلومة وتعديلها والوصول إليها وإرسالها ونشرها.
4 ـ نظام إنذار مبكر
مقارنة توقيت المعلومات الحكومية مع حركة التداولات غير الاعتيادية.
5 ـ تحليل الحسابات المرتبطة
ليس فقط حساب المسؤول وإنما الأشخاص والشركات والمستفيدون الحقيقيون المرتبطون به وفق ما يسمح به القانون.
6 ـ مراقبة التداول عالي المخاطر
خصوصاً التداول بالرافعة المالية وعقود الفروقات والأسواق الأجنبية.
7 ـ تحليل العلاقة بين الخبر والسوق
استخدام خوارزميات لاكتشاف الأنماط غير الطبيعية قبل وبعد الإعلان الحكومي.
8 ـ التحقيق في ( المعلومة ) وليس فقط ( المال )
لأن المال قد ينتقل إلى شخص آخر بينما مصدر المعلومة قد يقود إلى أصل العملية.
ثامناً : – ماذا يجب أن تراقب و هيئة النزاهة و الجهات التشريعية ؟
ينبغي أن يكون هناك مسار متخصص للتحقق من.
* تضارب المصالح.
* الإفصاح المالي.
* التداولات المرتبطة بالمسؤولين.
* أموال أفراد الأسرة أو الأشخاص المرتبطين، ضمن الحدود القانونية.
* الشركات التي يملكها المسؤول أو المستفيد الحقيقي.
* الشركات المرتبطة بالمستشارين والوسطاء.
* التحويلات المالية غير المعتادة.
* التداولات التي سبقت قرارات اقتصادية حساسة.
* التغير المفاجئ في الثروة.
* العلاقة بين القرار الحكومي والربح الخاص.
كما ينبغي عدم الاكتفاء بالإفصاح عن الملكية المباشرة لأن المستفيد الحقيقي قد يكون خلف شركة أو حساب أو هيكل ملكية متعدد الطبقات.
تاسعاً : – السؤال الأخطر
ليس السؤال كم ربح المسؤول؟
بل
هل كانت لديه قدرة على الوصول إلى معلومة لا يستطيع المواطن العادي الوصول إليها؟
ثم
هل ظهرت بعد ذلك منفعة مالية مرتبطة بتلك المعلومة؟
ثم
هل توجد علاقة زمنية ومالية واتصالية يمكن إثباتها بين مصدر المعلومة والتداول؟
إذا اجتمعت هذه المؤشرات، يصبح الملف جديراً بتحقيق متخصص، مع احترام قرينة البراءة وجميع الإجراءات القانونية.
عاشراً : – من المسؤول عن حماية السوق؟
حماية السوق ليست مسؤولية جهة واحدة.
بل تحتاج إلى تعاون بين
هيئة الأوراق المالية
البنك المركزي
سوق للأوراق المالية
مركز الإيداع
هيئة النزاهة
ديوان الرقابة المالية
الجهات القضائية المختصة
والمؤسسات المالية وشركات الوساطة والصرافة المرخصة.
فالفساد المالي الحديث لا يترك دائماً أثراً واضحاً على شكل «حقيبة أموال».
أحياناً قد يكون
ملفاً إلكترونياً أو رسالة أو معلومة قبل موعدها أو أمراً تداولياً صدر قبل دقائق من إعلان القرار.
احد عشر: – المقترح الأهم — ( مركز تحليل المعلومات والأسواق )
أقترح دراسة إنشاء وحدة متخصصة ترتبط بالجهة الرقابية المختصة مهمتها
ربط البيانات الحكومية الحساسة بحركة الأسواق المالية.
بحيث إذا صدر قرار اقتصادي مهم، يستطيع النظام أن يفحص بصورة آلية
* ماذا حدث في السوق قبل الإعلان؟
* ماذا حدث بعد الإعلان؟
* من قام بالتداول؟
* هل كان التداول غير اعتيادي؟
* هل توجد حسابات مترابطة؟
* هل توجد علاقة بين المتداول وأشخاص لديهم وصول إلى القرار؟
* هل ظهرت تحويلات مالية غير معتادة؟
* هل تكرر النمط في أكثر من واقعة؟
وهذا هو الانتقال الحقيقي من
رقابة بعد وقوع الضرر
الى
رقابة استباقية تعتمد على البيانات.
الخلاصة
العالم يتحول بسرعة إلى اقتصاد تتحرك فيه الأسواق خلال ثوان.
وفي هذا الاقتصاد أصبحت المعلومة نفسها أصلاً مالياً.
ولهذا فإن حماية المال العام لم تعد تقتصر على منع الاختلاس أو الرشوة أو العقود الوهمية.
بل يجب أن تمتد إلى حماية المعلومة الحكومية من أن تتحول إلى أداة للمضاربة والثراء الخاص.
والسؤال الذي أضعه أمام الجهات الرقابية و القضائية ليس اتهاماً لأحد وإنما دعوة إلى الفحص
هل توجد عمليات تداول أو تحويلات مالية استفادت من معلومات حكومية غير معلنة قبل وصولها إلى الجمهور؟
إذا كانت الإجابة لا فليثبت ذلك التحليل الرقابي.
وإذا كانت هناك مؤشرات فليكن التحقيق مهنياً ومستقلاً يبحث عن الدليل لا عن الأشخاص.
لأن الوظيفة العامة ليست ملكاً لصاحبها والمعلومة التي يحصل عليها المسؤول بسبب منصبه ليست سلعة خاصة والقرار الاقتصادي الذي يصدر باسم الدولة يجب ألا يتحول إلى فرصة ربح سرية لمن سبق الآخرين إلى معرفته.
إن حماية السوق تعني حماية المنافسة العادلة وحماية المال العام وحماية ثقة المواطن بالدولة.
وهذه ليست قضية اقتصادية فقط…
إنها قضية نزاهة الدولة نفسها.




