مشروع بنما السري والحرب الأمريكية الصامتة للسيطرة على ذاكرة العالم..!
غيث العبيدي ـ كاتب عراقي مستقل ||

« المفصلة الأمريكية للكتب الورقية»
▪️ المقدمة :
في عام 2024 كشفت وثائق قضائية أمريكية عن أخطر أسرار شركة أنثروبيك الأمريكية، وهي واحدة من أكبر شركات الذكاء الأصطناعي في العالم والمطور الحقيقي لنموذج كلود، حيث كانت تدير مشروعاً سرياً يعرف بـ ”مشروع بنما“ وفي وثيقة داخلية عرفت الشركة المشروع بجملة واحدة مرعبة وهي مساعي مسح جميع كتب العالم بطريقة إتلافية.
وتعتمد في ذلك على شراء ملايين الكتب المستعملة من أسواق أوروبا وأمريكا، وإرسالها إلى مصانع مسح صناعي، لنزع أغلفتها، وضغطها بآلة ضغط هيدروليكية تسمى مقصلة الكتب، ثم تمسح ضوئياً في دقائق معدودة، وبعدها يتلف الورق ويعادة تدويره.
وكتبت الشركة في مراسلة داخلية ”لا نريد أن يعرف أحد أننا نعمل على هذا“
▪️ لماذا تقطع أمريكا الكتب؟
بعد عام 2022 امتلأ الإنترنت بنصوص كتبها الذكاء الأصطناعي نفسه. فإذا دربت ذكاء أصطناعي جديد على نصوص كتبها ذكاء أصطناعي قديم، فإن النموذج ينهار ويصبح غبي وهذه ظاهرة يعرفها المختصون جيداً.
والحل الوحيد هو العودة إلى آخر المصادر النقية التي كتبها إنسان حقيقي ومرت بمراحل متعددة، كالمراجعة والتدقيق والتنقيح، والكتاب الورقي المطبوع قبل عام 2022 هو المقصود بالمصادر النقية.
وعلى ما يبدوا أن الكتاب الورقي أصبح هو الذهب الجديد. حيث أعتبرته الشركة من أعلى وأنقى مصادر الجودة لتدريب النماذج الأصكناعية ويعد أفضل من الويكيبيديا نفسها.
والتدمير أسرع بعشر مرات من التصوير المحافظ. وفي سباق الذكاء الاصطناعي، من يصل أولا يحكم.
▪️ كيف تحمي أمريكا المشروع؟
مشروع بنما لا يمكن أن يعمل إلا في أمريكا، لأن القانون الأمريكي يحميه، ففي يونيو 2025 قضى قاض فيدرالي أمريكي، أن من يشتري أي كتاب يحق له إتلافه بعد مسحه، وأن تدريب الذكاء الأصطناعي على الكتب هو إستخدام عادل ومشروع.
بهذا الحكم أصبح شراء الكتاب وتمزيقه قانونياً، بينما تحميل نفس الكتاب من الإنترنت يعتبر قرصنة.
هذا ليس قانون محايد بل إستراتيجية أمريكا المعرفية، تفتح الباب لشركاتها لتجميع بيانات العالم، وتغلقه أمام منافسيها.
▪️ الحرب الصامتة ـ مشروعان أمريكيان بنفس الأسم.
الخطير أن أمريكا لا تدير مشروع بنما واحدا، بل مشروعين بنفس الاسم في نفس الوقت.
1️⃣ مشروع بنما السري.
وهو مشروع شركة أنثروبيك، ويهدف الى مسح جميع الكتب وتحويلها إلى بيانات. وهذه هي الحرب على ذاكرة العالم.
2️⃣ مشروع بنما الرسمي.
وأطلقته الخارجية الأمريكية في ديسمبر 2025. ويهدف إلى بناء منصة لتوثيق وتسريع شحنات الرقائق والمعادن الخاصة بالذكاء الاصطناعي عبر قناة بنما.
والعلاقة بينهما هي جوهر إستراتيجية أمريكا المعرفية. ويقوم المشروع السري على تأمين البرمجيات والمعرفة.بينما المشروع الرسمي يؤمن العتاد والرقائق.
والمعرفة والرقائق هما نفط القرن الجديد.
ويحمل المشروعان أسم بنما لأن الأخيرة في التاريخ هي رمز السيطرة على الممرات العالمية، ففي القرن الماضي سيطرت أمريكا على تجارة النفط عبر قناة بنما. واليوم تسيطر على تجارة الذكاء الاصطناعي عبر نفس القناة، مرة بالبيانات ومرة بالرقائق.
▪️ ماذا يعني السيطرة على ذاكرة العالم؟
هذا هو الاستعمار الجديد للعالم، لكنه أخطر من القديم بآلاف المرات، ففي الإستعمار القديم، كانت بريطانيا تنقل الكتاب نفسه من القاهرة وبغداد إلى لندن، فيبقى هناك دون أي تغيير.
في الاستعمار الجديد، أمريكا لا تنقل الكتاب، بل تنقل محتواه إلى خادم في كاليفورنيا ثم تدمر الكتاب الأصلي. ويفقد الكتاب نهائياً، وهي الوحيدة من تملك معلوماته.
والمعروف أن من يملك المعلومة يملك تفسيرها.
فإذا كانت 90٪ من الكتب التي قطعتها المقصلة الأمريكية هي كتب عربية، فإن الذكاء الاصطناعي الذي سيحكم العالم غداً سيجيب عن تاريخ ودين وحضارة العرب والمسلمين برؤية غربية. ولن يجيب بما كتبنا نحن، بل بما قرأه هو عنا.
▪️ الخاتمة :
مشروع بنما السري يقول لنا بوضوح أن الحرب القادمة ليست على من يملك الأرض، بل على من يملك ذاكرة الأرض.
والدول التي لم ترقمن كتبها بيدها، سيرقمنها غيرها بمقصلته رغماً عنها، وحينها لن تملك الكتاب ولن تملك حق رواية قصته، وكل من لا يحمي ذاكرته، سيحكي غيره قصته نيابة عنه.
وبكيف الله.




