الأربعاء - 07 اكتوبر 2026

قصة أم رسول.. من مجموعة خط الصد الأول..!

الأربعاء - 07 اكتوبر 2026

تأليف: جليل هاشم البكاء ||

 

 

 

كانت أم رسول امرأة كبيرة في السن، لكن المرض لم يستطع أن ينتزع من قلبها ذلك اليقين الذي ظل يرافقها منذ سنوات طويلة.

كانت ترقد في أحد أسرّة المستشفى، تراقب الطبيب حين يدخل، وتسأله عن حالتها.

لم تكن أسئلتها تشبه أسئلة بقية المرضى.

كانت تريد أن تعرف هل تحسنت.

هل أصبح تنفسها أفضل.

هل تستطيع أن تعود إلى بيتها.

لكنها، قبل كل شيء، كانت تريد أن تسمع من الطبيب ما يطمئن قلبها.

كان الدكتور علي عاجل كريم يدخل إليها، فتستقبله بنظرة هادئة، رغم ما كان يبدو على جسدها من تعب.

تسأله عن حالتها.

فيجيبها بما يعرفه من الفحوصات والعلامات السريرية.

ثم تعود هي إلى يقينها الخاص.

ستتحسن.

ستخرج.

الله لن يتركها.

لم تكن تقول ذلك تحديًا للمرض.

كانت تقوله كما لو أنها تتحدث عن أمر تعرفه.

كان إيمانها أقوى من خوفها.

وفي أحد الأيام، سألها الدكتور علي عن ابنها.

ساد الصمت للحظات.

ثم قالت إن رسول مشغول.

كان يعمل شرطيًا.

وكانت تعرف أن عمله في تلك الأيام لم يكن سهلًا.

ثم بدأت تبرر غيابه.

ربما يخاف أن يصاب.

ربما يخاف أن ينقل المرض إلى عائلته.

ربما لا يستطيع أن يأتي.

كانت تبحث له عن الأعذار قبل أن يبحث هو عنها.

لم تكن غاضبة منه.

ولم تكن تريد أن تجعل الطبيب يظن أن ابنها تخلى عنها.

كانت أمًا.

والأم، حتى وهي مريضة، تستطيع أن تدافع عن ابنها.

قالت إن رسول يخاف عليها.

ثم صححت كلامها بطريقة غريبة.

بل ربما يخاف على نفسه أيضًا.

وكان في كلامها شيء من الرحمة به.

كان الدكتور علي يستمع.

وربما كان يعرف أن الابن لم يزرها.

لكنه لم يشأ أن يضعها أمام حقيقة قد تؤلمها أكثر من المرض.

كانت تنتظر أن تخرج.

وكانت تثق بأنها ستخرج.

ومع مرور الأيام تحسنت حالتها.

بدأت تتنفس بصورة أفضل.

استعادت شيئًا من قوتها.

ثم جاء اليوم الذي قيل لها فيه إنها تستطيع المغادرة.

لم يكن خروجها مجرد خروج مريضة من المستشفى.

كان بالنسبة إليها انتصارًا صغيرًا على خوف كبير.

خرجت وهي تحمل يقينها معها.

أما رسول، فلم يكن حاضرًا.

لكنها لم تغضب.

قالت، كما كانت تفعل دائمًا، إن له عذرًا.

كان الدكتور علي عاجل كريم يعرف أن وراء هذه الكلمات أمًا لا تريد أن تحمل في قلبها شيئًا على ابنها.

خرجت أم رسول.

وعاد البيت يستقبلها.

ربما كان المكان نفسه.

لكنها عادت إليه إنسانة أخرى.

إنسانة عبرت المرض.

وكانت تتحدث عن رسول.

عن خوفه.

عن عمله.

عن الأيام التي لم يزرها فيها.

وكانت كلما ذُكر غيابه وجدت له عذرًا جديدًا.

ثم دارت الأيام.

وكأن الحكاية أرادت أن تقلب المشهد كله.

أصيب رسول.

الرجل الذي كان يخاف من المرض.

الشرطي الذي كان يعمل وسط الناس.

الابن الذي لم يستطع أن يقترب من أمه وهي مريضة.

أصيب هو.

ودخل المستشفى.

وهناك، بعيدًا عن صورة الشرطي الذي اعتاد الناس أن يروه قويًا، ظهر إنسان آخر.

كان خائفًا.

منهارًا نفسيًا.

لم يعد المرض شيئًا يسمعه عن الآخرين.

صار في جسده.

وفي صدره.

وفي أنفاسه.

وفي وحدته.

كان رسول يحتاج إلى الطمأنينة التي كانت أمه تمنحها للآخرين.

لكنها لم تكن بجانبه.

وهنا كانت المفارقة التي هزت الدكتور علي عاجل كريم.

الأم التي كانت في سرير المرض مطمئنة إلى الله، وتبرر غياب ابنها، خرجت من المستشفى.

والابن الذي خاف من الاقتراب منها أصبح هو المريض الذي يحتاج إلى من يقترب منه.

لكن الجائحة لم تكن تسمح دائمًا بالاقتراب.

كان رسول يرى الخوف في كل مكان.

وربما كان يتذكر أمه.

تلك المرأة الكبيرة التي كانت تسأل الطبيب عن حالتها ثم تقول بثقة إنها ستخرج.

كانت قد خرجت فعلًا.

لكن رسول لم يستطع أن يخرج.

بدأت حالته تتدهور.

وأصبح الخوف أكبر.

وفي لحظات المرض الشديد، يعود الإنسان أحيانًا إلى أبسط الأشياء.

إلى أمه.

إلى البيت.

إلى صوت يعرفه.

إلى يد كانت تمسح على رأسه عندما كان طفلًا.

وربما كان رسول يتمنى في تلك اللحظات لو يستطيع أن يسمع أمه وهي تقول له من جديد:

ستخرج.

لكن هذه المرة لم تكن أمه إلى جواره.

وكانت النهاية قاسية.

مات رسول.

حين وصلت الحكاية إلى الدكتور علي عاجل كريم، لم تكن مجرد قصة مريض آخر.

كانت قصة أم خرجت من المرض، وابن لم يستطع أن يخرج.

وكان الدكتور علي يرويها لجليل هاشم البكاء، الذي وجد فيها شيئًا يتجاوز تفاصيل الجائحة.

وجد مأساة إنسانية كاملة.

أم كانت مريضة، لكنها كانت أقوى من خوفها.

وابن كان قويًا في نظر الناس، يرتدي زي الشرطة، ويعمل في خدمة الآخرين، لكنه حين أصبح المرض قريبًا منه انهار خوفًا.

وهنا لا يعود السؤال من كان أشجع.

فالخوف ليس عيبًا.

والإنسان قد يبدو قويًا في مواجهة الآخرين، ثم يكتشف هشاشته عندما يصبح هو المريض.

كانت أم رسول تعرف ذلك، ربما بفطرتها.

ولهذا لم تلم ابنها.

كانت تحبه حتى في غيابه.

وكانت تجد له الأعذار حتى وهي وحيدة في المستشفى.

ثم جاءت الجائحة لتكشف المفارقة المؤلمة:

الأم التي لم يزرها ابنها خرجت حية، والابن الذي خاف أن يقترب منها أصبح هو الذي يحتاج إلى أمه، ثم غاب عنها إلى الأبد.

بقيت حكاية أم رسول في ذاكرة الدكتور علي عاجل كريم.

ونقلها إلى جليل هاشم البكاء.

وبقيت في ذاكرة جليل لا كحكاية موت فقط، بل كدرس عن الإنسان في لحظة ضعفه.

فالوباء لم يكشف هشاشة الجسد وحدها.

كشف أيضًا هشاشة الإنسان حين يواجه المجهول.

وكشف أن الأم قد تسامح قبل أن يُطلب منها الصفح، وتلتمس العذر قبل أن يُقدَّم إليها، وتبقى مؤمنة بأن ابنها، مهما ابتعد، يظل ابنها.

أما رسول، فقد بقي في الحكاية لا بوصفه شرطيًا مات بالوباء، بل بوصفه ابنًا خائفًا، وإنسانًا انهار أمام المرض، وأمًا بقي حبها له أكبر من غيابه.

وكانت تلك إحدى الحكايات التي حملها الدكتور علي عاجل كريم إلى جليل هاشم البكاء، لتجد طريقها من الذاكرة إلى الرواية.

بقلم جليل هاشم البكاء