الشرق الأوسط الجديد.. بدأ أم إنتهى..؟!
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع

منذ سنوات والشرق الأوسط يعيش على وقع مشاريع سياسية وأمنية تتحدث عن «شرق أوسط جديد»، فيما ظهرت إلى جانبها خرائط وشعارات أكثر إثارة للجدل، من بينها مشروع «إسرائيل الكبرى» ومع كل حرب جديدة، وكل تغيير في موازين القوى، يعود السؤال نفسه: هل نحن أمام إعادة تشكيل حقيقية لخارطة المنطقة، أم أمام مشاريع سياسية تتضخم في الخطاب أكثر مما تستطيع أن تتحول إلى واقع؟
اليوم، ومع عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى واجهة هذا الملف، يبدو السؤال أكثر إلحاحاً: هل نجح ترامب في تثبيت دعائم شرق أوسط جديد، أم أن المشروع سيواجه المصير نفسه الذي واجهته مشاريع سابقة، من «صفقة القرن» إلى مشاريع إعادة ترتيب المنطقة؟
الحقيقة أن هناك ملامح تغيير واضحة، لكنها لا تعني بالضرورة أن خارطة الشرق الأوسط قد حُسمت، فالإدارة الأميركية تتحرك بإتجاه بناء ترتيبات إقليمية جديدة تقوم على إحتواء إيران، وتعزيز أمن إسرائيل، وتوسيع إتفاقات التطبيع، وربط ملفات غزة وسوريا ولبنان والعلاقات الإسرائيلية العربية ضمن تصور إقليمي واحد، وقد كشفت تقارير أميركية أن إدارة الرئيس الأمريكي ترامب تعمل على إستراتيجية لما بعد الحرب تتضمن تحالفاً إقليمياً لإحتواء إيران، وتوسيع إتفاقات إبراهام، والسعي إلى تطبيع سعودي إسرائيلي، إلى جانب ترتيبات تتعلق بغزة وسوريا ولبنان.
لكن بين إعادة ترتيب المنطقة وإعادة رسم حدود الدول مسافة كبيرة.
فالتغيير الجغرافي، بمعنى ضم دولة إلى أخرى أو تقسيم دول قائمة إلى دويلات، ليس قراراً سهلاً يمكن فرضه بخطاب سياسي أو بخريطة ترفع في مؤتمر دولي، تغيير الحدود يحتاج إلى حروب طويلة، وقوى محلية تقبل به، وإعترافات دولية، وترتيبات قانونية وسياسية، والأهم أنه يحتاج إلى بيئة إقليمية ودولية تسمح بإستمراره.
ولهذا فإن الحديث عن تقسيم العراق أو سوريا أو لبنان أو غيرها إلى دويلات يجب أن يبقى في إطار السيناريوهات والإحتمالات، لا الحقائق المنجزة.
أما مشروع «إسرائيل الكبرى»، فهو أكثر تعقيداً؛ فقد أعاد بنيامين نتنياهو خلال السنوات الأخيرة إستخدام خطاب يرتبط بفكرة «أرض الميعاد» و«إسرائيل الكبرى»، كما ظهرت خرائط إسرائيلية تتجاوز حدود الدولة المعترف بها دولياً، وصولاً إلى خرائط تشمل أراضي فلسطينية محتلة وأجزاء من دول عربية أخرى في بعض التصورات الأيديولوجية.
لكن الفرق كبير بين الخريطة الأيديولوجية والخريطة السياسية التي يمكن تنفيذها على الأرض، فإسرائيل تستطيع تغيير مواقع السيطرة العسكرية، وفرض وقائع ميدانية، وإحتلال أراضٍ، وتوسيع المستوطنات، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة رسم الشرق الأوسط بالكامل فالمنطقة ليست فراغاً جغرافياً، والدول المحيطة ليست بلا جيوش أو مصالح أو تحالفات، كما أن أي تغيير حدودي واسع سيخلق مقاومة إقليمية ودولية قد تفوق بكثير قدرة أي طرف على تحملها.
ماذا عن ترامب؟ ترامب لا يبدو معنياً فقط بإدارة الأزمات القديمة؛ بل يريد ترك بصمة إستراتيجية على الشرق الأوسط، لكن مشروعه، حتى الآن، أقرب إلى إعادة هندسة موازين القوى والتحالفات منه إلى إعادة رسم الحدود بالقلم وهنا تكمن النقطة الأهم.
قد يكون «الشرق الأوسط الجديد» الذي تريده واشنطن مختلفاً عن الصورة التي يتخيلها البعض؛ فقد لا تكون الخطة تقسيم الدول مباشرة، وإنما إضعاف مراكز القوى التقليدية، وإعادة توزيع التحالفات، وإدماج إسرائيل في منظومة إقليمية، ومحاصرة إيران، وربط الأمن والإقتصاد والطاقة والتجارة في شبكة جديدة.
هذا النوع من التغيير قد يكون أخطر من تغيير الحدود؛ لأنه يُبقي الدول موجودة على الخريطة، لكنه يغير طريقة اتخاذها للقرار وموقعها داخل النظام الإقليمي.
وماذا تعني حاملة الطائرات «ثيودور روزفلت»؟ هنا يجب أن نكون دقيقين فوصول مجموعة USS Theodore Roosevelt إلى المنطقة لا يعني تلقائياً أن قرار الحرب قد اتخذ؛ لكنه يعني أن الولايات المتحدة تريد إمتلاك خيارات عسكرية أكبر.
التقارير الحالية تشير إلى أن المجموعة تحمل آلاف البحارة ومشاة البحرية، وأن وجودها قد يتزامن مع حاملتي طائرات أميركيتين أخريين في المنطقة، بما يرفع القدرة العسكرية الأميركية بصورة كبيرة، كما أن ترامب أبقى إحتمال إستئناف الضربات ضد إيران بعد إنتخابات التجديد النصفي الأميركية في نوفمبر مفتوحاً.
وهنا يصبح ما بعد تشرين الثاني 2026 محطة شديدة الحساسية؛ إذا فشلت المفاوضات الأميركية الإيرانية، فقد تستخدم واشنطن القوة العسكرية لفرض شروط تفاوضية جديدة وإذا نجحت المفاوضات، فقد تتحول هذه القوات نفسها إلى أداة ضغط وضمانة لتنفيذ التسوية.
أي أن الحاملة ليست بالضرورة مقدمة لحرب، لكنها بالتأكيد ورقة قوة في معادلة الحرب والسلام.
هل ستتغير خريطة الشرق الأوسط؟ لا أستبعد تغييرات جغرافية محدودة، خصوصاً في مناطق النزاع، لكنني أستبعد في المدى القريب سيناريو إعادة رسم المنطقة بالكامل وفق خرائط جاهزة.
الأرجح أن نشهد أولاً:
♦️تغييراً في مناطق النفوذ، لا في الحدود.
♦️تغييراً في التحالفات، لا في أسماء الدول.
♦️تغييراً في موازين القوة، لا بالضرورة في الخريطة السياسية.
أما تقسيم دول كبرى إلى دويلات أو ضم أراضٍ من دولة إلى أخرى على نطاق واسع، فهو سيناريو بالغ الصعوبة، وقد يؤدي إلى حروب إقليمية مفتوحة لا تستطيع واشنطن ولا إسرائيل ضمان نتائجها.
سؤال علينا ذكره في مقالنا : هل يندثر مشروع الشرق الأوسط الجديد؟
هنا أعتقد أن الإجابة تحتاج إلى التفريق بين المشروع والنسخة التي يُراد تنفيذها منه، قد يفشل مشروع فرض شرق أوسط جديد بالقوة العسكرية المباشرة، لكنه قد ينجح جزئياً إذا إستطاعت الولايات المتحدة وإسرائيل إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية وإضعاف الخصوم ودمج إسرائيل إقتصادياً وأمنياً في المنطقة.
وفي المقابل، فإن أي مشروع يتجاهل القضية الفلسطينية، أو يحاول فرض ترتيبات على شعوب المنطقة بالقوة، أو يسعى إلى تقسيم الدول وإعادة رسم حدودها دون توافق إقليمي ودولي، سيواجه مقاومة شديدة وقد يتحول من مشروع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط إلى مشروع لإعادة إنتاج أزماته.
وهنا المفارقة، ربما يكون الشرق الأوسط الجديد قد بدأ فعلاً، لكن ليس بالضرورة بالشكل الذي رسمته الخرائط؛ فالشرق الأوسط يتغير، نعم؛ لكن السؤال ليس هل سيتغير، وإنما من الذي سيحدد شكل التغيير؟
واشنطن؟
تل أبيب؟
طهران؟
القوى العربية؟
أم شعوب المنطقة نفسها؟
بعد تشرين الثاني 2026 قد ندخل مرحلة أكثر حساسية: إما تسوية أميركية إيرانية تفتح الباب أمام ترتيبات إقليمية جديدة، أو تصعيد عسكري يعيد خلط الأوراق من جديد.
أما «إسرائيل الكبرى» بالمعنى الجغرافي الواسع، فلا أراها مشروعاً سهلاً أو قريباً من الإكتمال، حتى وإن كانت هناك تيارات إسرائيلية تتبنى هذا التصور وتستخدم خرائطه وخطابه.
وفي تقديري، فإن المعركة الحقيقية ليست على رسم الحدود فقط، بل على من يمتلك القرار في الشرق الأوسط.
فإذا بقيت دول المنطقة صاحبة قرارها، متماسكة وقادرة على حماية حدودها ومصالحها، فإن كثيراً من الخرائط الأيديولوجية ستبقى حبراً على ورق.
أما إذا إنهارت الدول الوطنية، وتفككت مؤسساتها، وتعددت مراكز القوة داخلها، وتحولت أراضيها إلى ساحات صراع دولي وإقليمي، فإن تغيير الخرائط يصبح عندها إحتمالاً واقعياً.
ولذلك فإن السؤال الأخطر ليس: هل ستنفذ خريطة «إسرائيل الكبرى»؟
بل: هل يسمح الشرق الأوسط لنفسه بأن يصبح بلا دول قوية، حتى تأتي الخرائط لتقرر مستقبله؟
إن مستقبل المنطقة لن تحدده الخرائط التي ترفع في المؤتمرات، وإنما موازين القوة، ووحدة الدول، وإرادة شعوبها، وقدرتها على إمتلاك قرارها الوطني.
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع




