حين نامت الحمامات على شباك الغياب.. كاظم غيلان وبلاغة الحنين العمّاري..!
قراءة نقدية / سمير السعد ||

ثمة نصوص شعرية لا تُقرأ بوصفها كلمات مرصوفة على بياض الورق، إنما تُستعاد بوصفها ذاكرة كاملة، لها رائحة الأمكنة، ودفء الأصوات، وظلال الوجوه التي غيّبها الزمن. قصيدة (خاطرة غياب ) لكاظم غيلان تنتمي إلى هذا النسيج الوجداني ، فهي قصيدة تستنطق الغياب من داخله، وتعيد بناء الحنين عبر مفردات جنوبية تستمد حرارتها من الذاكرة العمّارية، حيث تتحول المدينة من فضاء جغرافي إلى كيان شعوري يستوطن مخيلة الشاعر.
يبدأ النص بضربة وجدانية مباشرة: (تدري صار سنين ذابحني .. حنينك ) الصورة هنا قائمة على التشخيص والمبالغة الوجدانية؛ فالحنين كائن قادر على الذبح، والزمن يتحول من مجرد امتداد إلى قوة تستنزف صاحبها. اختيار (ذابحني ) يمنح الصورة جسداً وحركة، ويجعل الألم محسوساً لا فكرة مجردة. ثم تأتي (اشوفنهن على الشباج .. ادينك ) لتنتقل الصورة من الألم الداخلي إلى المشهد البصري. اليد الغائبة تُرى عبر الذاكرة، والشباك يصبح شاشة تستحضر عليها المخيلة صورة من رحل. إنها صورة تقوم على المفارقة: الغائب حاضر في العين، وحاضر في المكان، لكنه غائب عن الواقع.
وتتسع البنية التصويرية عند قوله: ( ع العتبه تنيتك .. صار حفنه اسنين ) . العتبة ليست موضعاً هندسياً في القصيدة، بل فضاءً حدّياً بين الداخل والخارج، بين الأمل والانطفاء، بين وصول المنتظر ورحيل المنتظَر. وهنا تتآزر الصورة المكانية مع الصورة النفسية ، فالشاعر لا يقول إنه انتظر سنوات، إنما يضع جسده على العتبة، فيجعل الانتظار مشهداً يمكن تخيله. ثم يأتي السؤال: ( وين انه ..انته وينك؟). ليقطع امتداد الصورة كما يقطع السكين خيطاً مشدوداً. هذا التقطيع نفسه جزء من الإيقاع الدلالي.
ومن أبرز جماليات النص أن الإيقاع لا يعتمد على الوزن وحده، وإنما يتولد من النَّفَس الشعبي، والتكرار، والتقطيع، وتجاور الأصوات. في: (نمشي سوه ..نلعب سوه) يتكرر “سوه ” كأنه نبضة مشتركة بين اثنين. الفعل المضارع يمنح الحلم حركة واستمراراً، فيما يؤدي التكرار وظيفة موسيقية تشبه لازمة الأغنية الشعبية. ويأتي قصر الجمل ليحاكي حركة الحلم نفسه ، خطوات قصيرة، متتابعة، خفيفة، كأن الشاعر يمشي فعلاً إلى جانب الغائب.
ثم تدخل “الشناشيل العتيكه “إلى المشهد بوصفها صورة بصرية ذات قيمة رمزية عالية. الشناشيل ليست مجرد معلم معماري ، إنها ذاكرة معلقة بين السماء والبيوت، ولذلك تلائم تماماً طبيعة الحلم. فهي مرتفعة، قديمة، مشرفة على الأزقة، مثل ذاكرة لا تستطيع السنوات الوصول إليها. وحين يضيف إليها الشاعر ( حلوات الطرف ) و( اللكط ) وحمامات الكنيسة، تتشكل لوحة متعددة الحواس: عين ترى العمارة، وأذن تسمع حركة الأزقة، وذاكرة تستعيد ألعاب الصبا، ومشهد طيور يضفي على المكان حركة وحرية.
أما (تلتم حمامات الكنيسه .. اتدوخ بينه) ، فتقدم واحدة من أكثر الصور شاعرية في النص. الحمامات تتحول إلى كائنات تدور حول الحبيبين، وكأن المكان نفسه يشاركهما الحلم. والفعل “اتدوخ ” يضفي حركة دائرية على الصورة ، إنها ليست حمامات ساكنة، بل طيور في دوران، والدوران هنا يوازي دوران الذاكرة حول زمن لا تريد مغادرته.
وعندما يقول: (خبطت الدنيه وصفينه) ينكسر إيقاع الحلم فجأة. الفعل “خبطت ” يحمل خشونة صوتية ودلالية، ويشكل نقيضاً واضحاً لنعومة “نمشي “و “نلعب ” هكذا يتحول الإيقاع من الانسياب إلى الصدمة، ومن الحركة الحالمة إلى الاصطدام بالواقع. وهذه المقابلة الصوتية والدلالية تمنح القصيدة تصاعدها الداخلي من غير حاجة إلى شرح مباشر.
بعد ذلك تتراجع الصورة من فضاء المدينة إلى فضاء اللغة نفسها: (القصايد .. صارت ارماد وعفتهه ) . القصائد التي كانت قادرة على احتضان الحنين تحترق وتتحول إلى رماد. إنها استعارة مركبة تجعل الشعر ضحية للفقد، وكأن احتراق الذاكرة أحرق أدوات التعبير عنها أيضاً. ثم تأتي: (والاغاني؟ ..بيهه اسمع بس ونينك ). فتتبدل الموسيقى من الغناء إلى الأنين. وهنا يبلغ الإيقاع الداخلي ذروة حزنه، فالأغنية موجودة، لكنها فقدت وظيفتها الاحتفالية، ولم يبق منها سوى الصوت الموجوع.
حتى اللهجة الجنوبية تؤدي دوراً إيقاعياً واضحاً. مفردات مثل (تدري، سوه، تنيتك، وينك، عفتهه، بيهه ) تحمل امتداداً صوتياً ليناً، وتمنح النص انسيابه الشفاهي، فيما تعمل الوقفات والتقطيعات القصيرة على محاكاة الكلام الخارج من صدر مثقل بالحنين. ولذلك يبدو النص أقرب إلى اعتراف مغنّى منه إلى خطاب شعري متكلف ، موسيقاه تنبع من النبرة قبل أن تنبع من القافية.
وهنا تتجلى خصوصية تجربة كاظم غيلان ، إذ تتداخل الصورة والإيقاع والمكان في نسيج واحد. فالعمارة لا تُرى فقط، وإنما تُسمع في إيقاع المفردات، والحبيب لا يُستعاد بالوصف وحده، إنما تستعيده الحركة: مشي، لعب، انتظار، دوران حمامات، ثم صدمة واحتراق. هذه الأفعال تصنع مساراً درامياً للقصيدة، يبدأ بالحنين، ويتسع للحلم، ثم يرتطم بالواقع.
وحين تعود الخاتمة إلى: (انه وين ..وانته .. وينك؟ ) فإن الإيقاع يعود إلى التقطيع الأول، غير أن السؤال هذه المرة يحمل كل ما سبق من صور وانكسارات. لا يحتاج الشاعر إلى إجابة ، فغياب الإجابة هو اكتمال المعنى. لقد صار السؤال نفسه وطناً للقصيدة.
لهذا تبدو “خاطرة غياب ” أكثر من استذكار لحبيب غائب ، إنها استعادة لزمن عمّاري كامل، حيث تتجاور الشناشيل والعتبات والكنيسة والحمامات مع طفولة الروح وذاكرة الحب. وفي هذا التداخل يكمن نضج التجربة: أن يتحول الخاص إلى جمال إنساني واسع، وأن تصبح العمارة ذاكرة، والذاكرة صورة، والصورة إيقاعاً، والإيقاع حنيناً لا يهدأ. وفي النهاية تبقى المدينة معلقة في المخيلة، مثل نافذة قديمة ما زالت تنتظر يداً تعرفها..




