القصة السادسة: حين اختار طيف أن يبقى.. من مجموعة خط الصد الأول..!
تأليف جليل هاشم البكاء ||

كان الدكتور حيدر علي حنتوش يتحدث عن تلك الأيام وكأنه يستعيد مشهدًا لم يغادر ذاكرته.
لم يكن يتحدث عن نفسه.
كان يعود دائمًا إلى ابنه طيف.
وفي ذاكرة الأب، لم يكن طيف مجرد شاب يعمل كمسؤول عن مركز للعزل، بل كان واحدًا من أولئك الذين وجدوا أنفسهم في المكان الذي يخشاه الآخرون.
كان مركز العزل يعني شيئًا مختلفًا في زمن الجائحة.
كان المكان الذي يدخل إليه المصابون.
والذي يخرج منه المتعافون، حين يكتب لهم الله النجاة.
وكان العاملون فيه يعيشون يومهم بين الاحتمالين.
احتمال أن يعود المريض إلى أهله.
واحتمال أن يحمل العامل نفسه العدوى إلى بيته.
كان الخطر واضحًا.
ولهذا، عندما أصبح وجود أكثر من شخص من العائلة الواحدة في نفس الجبهة أمرًا يثير القلق، ظهرت إمكانية نقل أحدهم إلى مكان عمل آخر.
كان ذلك حقًا مفهومًا.
فإذا كان الأب والابن، أو الأخوان، يعملون في المكان نفسه الذي تكثر فيه الإصابات، فمن الطبيعي أن يُمنح أحدهما فرصة للانتقال.
لم يكن أحد يستطيع أن يلوم من يختار الابتعاد.
فالخوف في تلك الأيام لم يكن ضعفًا.
كان غريزة طبيعية لدى كل إنسان يريد أن يحمي نفسه وأسرته.
وكان طيف حيدر يعرف ذلك.
ويعرف أيضًا أن والده الدكتور حيدر علي حنتوش كان حاضرًا في الميدان.
ولهذا عُرض عليه الانتقال.
كان يستطيع أن يذهب إلى مكان أقل تعرضًا للخطر.
كان يستطيع أن يترك مركز العزل، وأن يواصل عمله في مكان آخر.
لم يكن العرض عقوبة.
بل كان حقًا.
وكان يمكن لأي شخص أن يقول إن سلامته وسلامة أسرته أولى.
لكن طيف اختار البقاء.
لم يكن قراره استعراضًا.
ولم يتحدث عن البطولة.
لم يقف أمام أحد ليعلن أنه لا يخاف.
كان الأمر أبسط من ذلك.
لقد رأى أن هناك مرضى في الداخل.
ورأى أن هناك من يحتاج إلى من يبقى إلى جانبه.
وكان يرى أن انتقاله يعني أن شخصًا آخر سيضطر إلى أخذ مكانه.
وفي تلك الأيام، كان كل غياب يصنع فراغًا.
قال طيف، بمعنى موقفه، إنه يستطيع أن يتحمل ما دام قادرًا على العمل.
ولم يكن الأب بحاجة إلى أن يسأل ابنه عن سبب قراره.
كان يعرف.
فالأب الذي عاش حياته في خدمة الناس يعرف أحيانًا أبناءه من أفعالهم أكثر مما يعرفهم من كلماتهم.
لكن الجائحة لم تمنح أحدًا وقتًا طويلًا للتفكير.
في إحدى الفترات، وبينما كان مركز العزل يعمل تحت ضغط الإصابات، حدث ما لم يكن في الحسبان.
اندلع حريق.
ارتفع الدخان.
وتحول المكان في لحظات إلى مشهد آخر.
لم يعد الخطر مرضًا فقط.
أصبح نارًا.
وأصبح على الموجودين أن يواجهوا خطرين في وقت واحد.
كان هناك مرضى لا يستطيعون الحركة بسهولة.
وأشخاص يحتاجون إلى مساعدة.
وأجهزة يجب إبعادها.
وأكسجين يجب التعامل معه بحذر.
وأصوات تنادي من أماكن مختلفة.
في تلك اللحظات، لم يعد السؤال من طبيب ومن عامل.
ولا من مسؤول ومن موظف.
صار السؤال:
من يستطيع أن يساعد؟
ومن يستطيع أن يحمل مريضًا؟
ومن يستطيع أن يفتح طريقًا؟
ومن يستطيع أن يدل الآخرين على المخرج؟
وكان طيف هناك.
في المكان الذي كان يستطيع أن يغادره قبل أيام.
في المكان الذي عُرض عليه أن ينتقل منه.
في المكان الذي اختار أن يبقى فيه رغم معرفته بالخطر.
لم يكن أحد في تلك اللحظة يسأل عن القرار القديم.
كانت النار هي الحاضر.
وكان المرضى هم الأولوية.
تداخل الدخان مع صرخات الناس.
وأصبح الخروج من المركز مهمة لا تحتمل التأخير.
وفي وسط الفوضى ظهر معنى آخر للبقاء.
لم يكن بقاء طيف مجرد رفض للانتقال.
كان البقاء استعدادًا لتحمل المسؤولية عندما تصبح المسؤولية ثقيلة.
وكان الدكتور حيدر علي حنتوش، وهو يروي الحكاية، يعرف أن أكثر ما بقي في ذاكرته ليس الخوف.
بل صورة ابنه وهو يختار أن يكون حيث يحتاجه الآخرون.
كان يستطيع أن يقول أنا أحق بالنجاة.
وكان يستطيع أن يستند إلى حقه في الانتقال.
لكنه اختار أن يقول، بالفعل لا بالكلام، إن هناك مرضى لا يملكون هذا الخيار.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة.
الإنسان الذي كان يملك حق الابتعاد اختار البقاء.
أما المريض، فلم يكن يملك في كثير من الأحيان سوى أن ينتظر.
انتظار الطبيب.
انتظار الممرض.
انتظار الأكسجين.
انتظار أن ينفتح الباب.
انتظار أن تنتهي الأزمة.
وفي تلك اللحظة، كان طيف واحدًا من الذين قرروا ألا يتركوا المرضى وحدهم.
لم يكن يعرف كيف ستنتهي الحكاية.
لم يكن يعرف هل سيخرج سالمًا.
ولا هل سينقل العدوى إلى بيته.
ولا هل سيأتي يوم يندم فيه على قراره.
لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا:
أن المكان الذي يعمل فيه يحتاج إلى من يبقى.
وفي زمن الجائحة، كانت بعض القرارات تُتخذ من وراء المكاتب، لكن بعضها الآخر كان يُتخذ في الممرات، بين المرضى، وتحت ضغط الخوف.
وكان قرار طيف واحدًا من تلك القرارات.
قرارًا إنسانيًا قبل أن يكون وظيفيًا.
لقد كشفت النار ما كان الوباء قد بدأ يكشفه منذ اليوم الأول:
أن الذين يعملون في الصفوف الأولى لا يواجهون خطرًا واحدًا.
كانوا يواجهون المرض، والخوف، والإرهاق، واحتمال نقل العدوى إلى عائلاتهم، وأحيانًا خطرًا مفاجئًا لا علاقة له بالفيروس.
ومع ذلك كانوا يستمرون.
كان الدكتور حيدر علي حنتوش يروي القصة، وربما كان في صوته شيء من الأب الذي يعرف أن ابنه كان يستطيع أن يختار طريقًا أكثر أمانًا.
لكن الابن اختار طريقًا آخر.
طريقًا بقي فيه إلى جانب زملائه ومرضاه.
ولهذا لم تكن قصة طيف حيدر قصة شخص رفض الانتقال فقط.
كانت قصة سؤال أكبر:
ماذا يفعل الإنسان عندما يكون الخطر قريبًا منه، ويكون الابتعاد حقًا مشروعًا له، لكنه يعرف أن هناك آخرين لا يستطيعون الابتعاد؟
ربما لا توجد إجابة واحدة لهذا السؤال.
فلكل إنسان حقه في حماية نفسه وأسرته.
لكن في تلك الأيام، كان هناك أيضًا من اختار أن يتحمل نصيبًا أكبر من الخطر كي لا يزداد العبء على الآخرين.
وهؤلاء هم الذين صنعت مواقفهم، بصمت، جزءًا من حكاية ذلك الزمن.
أما الحريق الذي اشتعل في مركز العزل، فقد بقي في الذاكرة لا بوصفه حادثًا فحسب، بل بوصفه لحظة انكشفت فيها حقيقة الإنسان تحت الضغط.
وحين اشتعلت النار، لم يعد أحد يسأل عن المسمى الوظيفي.
كان الجميع يبحث عن طريق للخروج.
وكانت الأيدي تمتد لبعضها.
يد تحمل مريضًا.
وأخرى تفتح بابًا.
وثالثة تقود شخصًا مرتبكًا إلى مكان آمن.
وهكذا، وسط الدخان والخوف، ظهر الوجه الآخر للجائحة.
لم يكن وجه المرض وحده.
كان وجه الإنسان أيضًا.
إنسان يعرف أن النجاة لا تعني أن ينجو وحده.
وأن بعض الناس، حين يملكون فرصة للابتعاد، يختارون البقاء لأنهم يشعرون أن وجودهم قد يكون فارقًا في حياة إنسان آخر.
وكان طيف حيدر واحدًا من أولئك الذين اختاروا أن يبقوا.
بقلم جليل هاشم البكاء




