الأربعاء - 07 اكتوبر 2026

القصة الخامسة: حين غاب الذين لا يراهم أحد.. من مجموعة خط الصد الأول..!

الأربعاء - 07 اكتوبر 2026

 تأليف جليل هاشم البكاء ||

 

 

 

لم يكن المستشفى يقوم على الأطباء وحدهم.

هذه الحقيقة لم تكن واضحة في الأيام العادية، حين كان كل شيء يعمل كما ينبغي، وحين كان المريض يرى الطبيب والممرض، وربما لا ينتبه إلى الرجل الذي يصلح المصباح، أو العامل الذي يتفقد المولد، أو المرأة التي تنظف الممر قبل أن تطأه أقدام المرضى.

لكن الجائحة كشفت الحقيقة كاملة.

في المستشفى، كل يد كانت تمسك بطرف من أطراف الحياة.

الطبيب يحتاج إلى الكهرباء.

والجهاز يحتاج إلى الصيانة.

والغرفة تحتاج إلى التنظيف.

والمريض يحتاج إلى الطعام والماء.

والأكسجين يحتاج إلى منظومة تعمل بلا توقف.

والممر الذي يعبره الطبيب عشرات المرات في اليوم يحتاج إلى عامل يزيل ما يتركه المرضى والعاملون خلفهم.

كان الجميع يعملون في صمت.

وكانت قيمة بعضهم لا تظهر إلا عندما يغيب.

في أحد الأيام، بدأ الغياب يتسلل إلى المستشفى.

عامل أصيب بالمرض.

ثم أصيب آخر.

ثم غابت إحدى العاملات في التنظيف لأنها أصبحت تخشى أن تنقل العدوى إلى أطفالها بعد أن ظهرت عليها الأعراض.

وتغيب عامل الصيانة.

ثم الكهربائي.

لم يكن أحد يملك رفاهية السؤال عن سبب الغياب.

كان المرض يختار ضحاياه من بين الجميع.

طبيب.

ممرض.

عامل.

موظف.

منظفة.

سائق.

حارس.

لم يكن الفيروس يقرأ المسمى الوظيفي.

ومع كل غياب كان العبء ينتقل إلى شخص آخر.

في صباح أحد الأيام، تعطل جهاز في إحدى الغرف.

لم يكن العطل كبيرًا.

لكن المشكلة كانت أن الرجل الذي يعرفه لم يكن موجودًا.

انتظروا قليلًا.

ثم اتصلوا به.

كان صوته متعبًا.

أخبرهم أنه مصاب، وأنه لا يستطيع الحضور.

حاول أحد العاملين أن يعالج المشكلة، لكنه لم يكن متخصصًا.

جاء شخص آخر.

ثم ثالث.

وبقي الجهاز متوقفًا.

في تلك اللحظة أدرك الجميع أن المعرفة الصغيرة التي يحملها ذلك الرجل في رأسه لم تكن صغيرة على الإطلاق.

كان يعرف أين الخلل.

وأي مفتاح يجب أن يُدار.

وأي سلك يجب أن يُفحص.

وأي صوت يصدره الجهاز عندما يكون على وشك التوقف.

كانت سنوات عمله كلها مختبئة في تلك التفاصيل.

قال الدكتور علي عاجل كريم إنهم بحاجة إلى حل سريع.

لكن أحد العاملين قال إن المشكلة ليست في الجهاز وحده.

المشكلة أن المستشفى بدأ يفقد أفراده واحدًا بعد آخر.

كان غياب شخص واحد يمكن تعويضه مؤقتًا.

لكن غياب عدد كبير من العاملين كان شيئًا آخر.

إنه خلل في شبكة كاملة.

وفي ذلك اليوم، حدث ما لم يكن أحد يتوقعه.

تعطل التيار الكهربائي في جزء من المبنى.

اشتغلت المولدات.

لكن المولد احتاج إلى فني يعرف تفاصيله.

والفني لم يكن موجودًا.

كان مريضًا في بيته.

ارتفع التوتر.

لم يكن أحد يفكر في نفسه.

كانت الأنظار تتجه إلى الأجهزة.

إلى المرضى.

إلى غرف العناية.

إلى أسطوانات الأكسجين.

إلى كل شيء يحتاج إلى الكهرباء كي يستمر.

ظهر عامل آخر لم يكن اختصاصه تشغيل المولدات، لكنه يعرف عنها شيئًا.

ثم جاء عامل الصيانة.

ثم ساعده أحد الموظفين.

ثم جاء كهربائي من خارج القسم.

لم يكن أحد يسأل من هو المسؤول ومن ليس مسؤولًا.

في تلك اللحظة اختفت الحدود بين الوظائف.

كان هناك هدف واحد:

أن يبقى المستشفى واقفًا.

وبينما كان الرجال يعملون في غرفة المولد، كانت عاملات التنظيف يتحركن في الممرات.

كانت إحداهن متعبة، لكنها لم تتوقف.

كانت تعرف أن المريض الذي سيخرج من غرفته يحتاج إلى ممر نظيف.

وكانت تعرف أن الطبيب الذي يذهب من غرفة إلى أخرى لا يستطيع أن يفكر في التنظيف وهو يحمل هم المرضى.

فكانت تفعل ما تستطيع.

في زاوية أخرى كان أحد العمال يحمل الطعام إلى المرضى.

وفي الخارج كان السائق ينتظر.

وفي المدخل كان الحارس ينظم حركة الداخلين.

وفي غرفة أخرى كان الممرض يتابع مريضًا يحتاج إلى مراقبة مستمرة.

وفي كل مكان كانت يد تعمل.

يد لا يراها أحد.

لكن إذا توقفت، ظهرت أهميتها.

نظر الدكتور علي عاجل كريم إلى المشهد من بعيد.

لم يكن يرى مستشفى.

كان يرى مجتمعًا صغيرًا.

مجتمعًا فرضت عليه الجائحة أن يكتشف معنى التكامل.

فالطبيب لم يكن يستطيع أن يعمل وحده.

والممرض لم يكن يستطيع أن يعمل وحده.

والعامل لم يكن يستطيع أن يعمل وحده.

حتى الرجل الذي يمسك المكنسة كان جزءًا من منظومة إنقاذ الأرواح.

تلك الليلة، عاد التيار إلى جميع الأقسام.

اشتغلت الأجهزة.

استقرت الغرف.

وعاد الممر إلى هدوئه.

جلس بعض العاملين للحظات.

كان التعب ظاهرًا على وجوههم.

لكن أحدًا لم يتحدث عن البطولة.

لم يكن هناك وقت للبطولة.

كان هناك عمل يجب أن يستمر.

اقترب الدكتور علي من إحدى العاملات في التنظيف.

شكرها.

استغربت.

قالت له إنها تقوم بعملها فقط.

ابتسم وقال لها إن هذا بالضبط هو معنى أن يقوم كل إنسان بعمله.

فلو توقف عملها، لتعطل عمل الآخرين.

ولو توقف عمل الآخرين، وصل أثر ذلك إلى المريض.

نظرت إليه لحظة، ثم عادت إلى عملها.

كانت تحمل أدوات التنظيف في يد.

وفي يد أخرى كانت تحمل شيئًا لا يظهر في أي ملف طبي:

جزءًا من سلامة المستشفى.

ومنذ ذلك اليوم، صار بعض العاملين ينظرون إلى بعضهم بطريقة مختلفة.

لم يعد الطبيب يرى عامل الصيانة مجرد عامل.

ولم يعد عامل الصيانة يرى الطبيب مجرد طبيب.

ولم تعد العاملة التي تنظف الممر تشعر أن عملها يقع في هامش المستشفى.

لقد اكتشف الجميع أنهم خيوط في نسيج واحد.

إذا انقطع خيط، لم يسقط النسيج كله بالضرورة.

لكن ضعفه يبدأ من هناك.

وكانت الجائحة، بكل قسوتها، قد علمتهم درسًا لم تكن الكتب الطبية قادرة على تعليمه:

أن المجتمع لا تحميه المهن الكبيرة وحدها، بل تحميه كل الأيدي التي تعمل في صمت.

فالذين يظهرون في واجهة المشهد ليسوا وحدهم من يصنعون النجاة.

أحيانًا يكون الإنسان الذي لا يذكر أحد اسمه هو الذي يمنح الآخرين القدرة على الاستمرار.

ولهذا، حين انتهت تلك الليلة، لم يتذكر الدكتور علي من كان الطبيب الأكثر انشغالًا، ولا من كان صاحب الصوت الأعلى.

تذكر الجميع.

الطبيب.

الممرض.

الكهربائي.

عامل الصيانة.

عاملة التنظيف.

السائق.

الحارس.

الموظف.

وكل يد امتدت في الوقت المناسب.

فهم أن المستشفى لم يكن مبنى يعالج المرضى.

كان مجتمعًا مصغرًا.

وحين اشتد البلاء، اكتشف ذلك المجتمع أن النجاة لا يصنعها فرد واحد.

النجاة فعل جماعي.

بقلم جليل هاشم البكاء