الباب رقم سبعة.. مجموعة خط الصد الأول..!
تأليف: جليل هاشم البكاء ||

كان اسم المستشفى يعني شيئًا للمرضى.
لم يكن مجرد لوحة معلقة فوق المدخل، ولا اسمًا يعرف به الناس موقع المبنى. كان الاسم يحمل في ذاكرة أهل المدينة معنى آخر؛ معنى يتصل بما استقر في وجدانهم من محبة أولياء الله، والتوسل بهم إلى الله، والرجاء بأن يكونوا سببًا في الفرج والخلاص من البلاء.
ولهذا، حين كان المريض يصل إلى المستشفى، لم يكن يدخل مكانًا للعلاج فقط.
كان يدخل وهو يحمل معه خوفه، وألمه، وأدعيته، وذكريات أمه وأبيه وجدته، وكل ما تعلمه منذ طفولته عن الرجاء بالله في أوقات الشدة.
وفي زمن الوباء، حين عجزت الكلمات عن تفسير ما يحدث، أصبح الإنسان أكثر تعلقًا بكل ما يمنحه شعورًا بأن باب الرحمة الإلهية لم يغلق.
كان المستشفى في تلك الأيام عالمًا غريبًا.
الأطباء يواجهون المرض بالعلم والخبرة.
والممرضون يواجهونه بالصبر والعمل.
والمرضى يواجهونه بالأدوية، وبالدعاء، وبالخوف، وبالأمل.
وفي مكان كهذا، لم يكن غريبًا أن تسمع مريضًا يردد دعاءً، أو امرأة تذكر وليًا من أولياء الله، أو شيخًا يرفع يديه إلى السماء، أو رجلًا يضع يده على صدره ويتمتم برجاء أن يكتب الله له الشفاء.
لم يكن أحد يملك أن يصادر من المريض أمله.
فالأمل نفسه كان جزءًا من مقاومة المرض.
وفي نهاية أحد الممرات كان هناك الباب رقم سبعة.
كان بابًا عاديًا في شكله، لكنه لم يكن عاديًا في ذاكرة الذين مروا من خلاله.
كان بعض المرضى ينظرون إليه قبل الدخول ويهمسون بالدعاء.
وبعضهم كان يلتفت إلى اسم المستشفى عند المدخل، ثم يرفع عينيه إلى السماء.
كانوا يرون في المكان أكثر من جدران وأجهزة وأسرة.
كانوا يرونه محطة بين الخوف والرجاء.
وكان الدكتور علي عاجل كريم يعرف أن المرضى لا يدخلون المستشفى بعقولهم وحدها.
يدخلون بقلوبهم أيضًا.
دخل ذات صباح إلى الممر، فرأى رجلًا مسنًا يجلس قرب الباب رقم سبعة.
كان الرجل يضم كفيه إلى صدره ويتمتم بكلمات لا يكاد يسمعها أحد.
اقترب منه الدكتور علي.
سأله عن حاله.
رفع الرجل عينيه وقال إنه جاء إلى هنا بعدما اشتد عليه المرض، وإنه لا يريد إلا أن يعود إلى بيته.
ثم أضاف، بصوت متقطع، أنه دعا الله كثيرًا، وتوسل إليه بأوليائه أن يرفع عنه هذا البلاء.
لم يجد الدكتور علي في ذلك ما يدعوه إلى الجدال.
كان يعرف أن مهمته أن يعالج جسد الرجل، أما قلبه فله طريقته في البحث عن الطمأنينة.
قال له بهدوء إنهم سيبذلون كل ما يستطيعون من أجل علاجه.
كانت العبارة بسيطة.
لكن الرجل ابتسم.
قال إن الطبيب سبب من أسباب الله.
ثم وضع يده على صدره.
كانت تلك الجملة تختصر عالمًا كاملًا.
فالرجل لم يكن يرى تعارضًا بين الطبيب والدعاء.
كان يرى الطبيب سببًا، ويرى الشفاء بيد الله.
وهكذا كان المرضى يتعاملون مع المستشفى.
العلاج هنا.
والرجاء هناك.
والله فوق الاثنين.
فتح الباب رقم سبعة.
دخل الرجل.
وأغلق الباب خلفه.
ظل الدكتور علي واقفًا للحظات.
نظر إلى الباب، ثم إلى الممر.
في ذلك المكان كان الطب والدعاء يسيران جنبًا إلى جنب، كل منهما في مجاله، لكنهما يلتقيان عند الإنسان الذي كان يبحث عن النجاة.
مرت الساعات.
ثم الأيام.
وفي كل مرة كان الدكتور علي يمر أمام الباب رقم سبعة، كان يتذكر الرجل.
حتى جاء الصباح الذي فُتح فيه الباب.
خرج الرجل.
كان متعبًا، لكنه كان واقفًا على قدميه.
اقترب منه ابنه.
ولم يستطع أن يمنع دموعه.
نظر الرجل إلى ابنه، ثم رفع يديه إلى السماء.
لم يكن في حاجة إلى كلام كثير.
كان وجهه يقول كل شيء.
وبعد أن هدأ قليلًا، التفت إلى الباب رقم سبعة.
ثم نظر إلى اسم المستشفى.
وكأنه يودع المكان الذي عاش فيه أيامًا بين الخوف والرجاء.
أما الدكتور علي عاجل كريم، فظل يتأمله من بعيد.
كان يعرف أن ما جرى لهذا الرجل لا يمكن اختزاله في رقم سرير، أو نتيجة تحليل، أو نسبة أكسجين.
لقد دخل الرجل إلى المستشفى محمولًا على ثلاثة أشياء:
العلاج، والدعاء، والأمل.
ولم يكن الطبيب يرى في ذلك انتقاصًا من العلم، كما لم يكن المريض يرى في الطبيب بديلًا عن إيمانه.
كان كل واحد منهما يؤدي دوره في مواجهة البلاء.
وفي زمن الجائحة، حين بدا الموت قريبًا من الجميع، أصبح اسم المستشفى نفسه جزءًا من الحكاية.
فبالنسبة إلى الأطباء كان مكانًا للعمل وإنقاذ الأرواح.
وبالنسبة إلى كثير من المرضى كان مكانًا للشفاء، ومكانًا للدعاء، ومكانًا لتعليق الرجاء بالله.
أما الباب رقم سبعة، فقد ظل شاهدًا على الذين دخلوا إليه وهم يحملون خوفهم، ثم خرج بعضهم يحملون دموع الفرح.
ولهذا لم يكن الباب رقم سبعة مجرد باب.
كان عتبة بين عالمين:
عالم الخوف من الوباء،
وعالم الرجاء بأن الرحمة الإلهية أوسع من البلاء.
بقلم جليل هاشم البكاء




