آخر مصافحة.. من مجموعة: خط الصد الأول..!
تأليف: جليل هاشم البكاء ||

لم يعد الناس يخافون من المرض وحده…
صاروا يخافون من بعضهم.
فلقد أصبح الإنسان ينظر إلى أخيه كما لو كان يحمل شيئاً لا يُرى، لكنه قادر على أن يسرق منه الحياة في لحظة واحدة.
توقفت المصافحات.
اختفت الأحضان.
وأصبح السلام يُؤدى من بعيد، وكأن المسافات تحولت إلى قانون جديد للحياة.
فحتى الوجوه فقدت نصف ملامحها خلف الكمامات.
أما في ردهة العزل، فقد كان الخوف أكبر من أن تصفه الكلمات.
كان المريض يدخل الباب وهو يعلم أنه قد لا يخرج منه إلا محمولاً على الأكتاف.
وكان الطبيب يدخل الباب نفسه، لكنه لا يعرف إن كان سيعود إلى أطفاله حاملاً الحياة… أم العدوى.
وفي صباح قائظ من أيام الصيف، كان الدكتور خضير هزبر الأسدي يبدأ جولته اليومية.
ارتدى ملابس الوقاية الثقيلة.
أحكم إغلاق القناع.
نظر إلى زملائه.
كان الدكتور ضياء خلف العمري يراجع ملفات المرضى، بينما كان الدكتور مجيد موحان الحمامي يتابع نتائج الفحوصات المختبرية، والدكتور علي عاجل كريم يهيئ خطة توزيع المرضى على الأسرة المتبقية.
أما الدكتور مهند الهلالي، الذي التحق بخط الصد الأول بعد أيام من تشكيله، فقد كان لا يزال يتعلم كيف يخفي خوفه خلف ابتسامته.
قال الدكتور ضياء وهو ينظر إلى الجميع:
اليوم لدينا حالات أصعب من الأمس.
رد خضير بهدوء:
كل يوم يقال الشيء نفسه … لكننا ما زلنا هنا.
ثم دخلوا جميعاً إلى ردهة العزل.
في الغرفة رقم اثني عشر، كان يرقد رجل تجاوز الستين من عمره.
وجهه شاحب.
أنفاسه متقطعة.
وعيناه تتحركان في كل اتجاه كأنهما تبحثان عن نافذة للهروب.
ما إن رأى الطبيب يقترب حتى تراجع قليلاً فوق سريره.
لم يكن يخاف الطبيب …
بل كان يخاف أن يكون اقترابه إعلاناً بأن حالته ازدادت سوءاً.
اقترب الدكتور خضير منه.
قرأ نسبة الأوكسجين.
عدل قناع التنفس.
ثم، وعلى غير عادة ذلك الزمن، وضع يده برفق فوق كتف الرجل.
تجمد المريض.
نظر إلى اليد.
ثم إلى عيني الطبيب.
منذ أيام طويلة، لم يلمسه أحد.
حتى أبناؤه كانوا يقفون خلف الزجاج.
قال الرجل بصوت يكاد لا يُسمع:
ألا تخاف مني يا دكتور؟
ابتسم خضير.
وقال بهدوء يشبه صلاة خفية:
أنا أخاف عليك… لا منك.
ساد صمت طويل.
ثم انهمرت دموع الرجل.
لم يكن يبكي من الألم.
كان يبكي لأن أحداً أعاد إليه شعوره بأنه ما زال إنساناً.
خارج الغرفة، قال أحد الممرضين:
دكتور… لماذا تلمس المرضى؟
يمكنك أن تشرح لهم من بعيد.
نظر إليه خضير.
وقال:
هناك أمراض لا تعالجها الأجهزة.
ولا الأدوية.
بل تعالجها الطمأنينة.
كان الدكتور ضياء يراقب المشهد من بعيد.
اقترب من زميله.
وقال مبتسماً:
ستجعل المرضى يتعلقون بك أكثر من تعلقهم بالعلاج.
ضحك خضير.
وقال:
إذا تعلقوا بالحياة… فهذا يكفيني.
في ذلك اليوم، امتلأت الردهة بالحالات الجديدة.
كانت الأسرة أقل من عدد المرضى.
والأوكسجين يُستهلك بسرعة.
والإرهاق يزداد ساعة بعد أخرى.
جلس الدكتور مجيد الحمامي للحظات فوق كرسي بلاستيكي.
خلع القناع قليلاً ليأخذ نفساً.
قال بصوت متعب:
تخيلوا…
منذ أسبوعين لم أصافح أحداً.
أجابه خضير:
وأنا صافحت عشرات المرضى.
نظر الجميع إليه باستغراب.
قال وهو يبتسم:
ليس باليد…
بل بالكلمة.
مرت أيام.
وبدأ الرجل العجوز يتحسن.
صار يتنفس بصورة أفضل.
واستعاد شيئاً من قوته.
وفي صباح خروجه من المستشفى، طلب أن يرى الدكتور خضير.
دخل الطبيب.
وقف أمام سريره.
قال الرجل:
أريد أن أصافحك.
تردد خضير لحظة.
ثم ارتدى قفازاً جديداً.
ومد يده.
أمسك الرجل بها بكلتا يديه.
بقي ممسكاً بها عدة ثوان.
ثم قال:
هذه أول مصافحة أشعر فيها أن الحياة انتقلت من يد إلى يد.
خفض الدكتور خضير رأسه.
لم يعرف ماذا يقول.
بعد خروجه، ظل الرجل يزور المستشفى بين حين وآخر.
لم يكن مريضاً.
كان يأتي فقط ليسلم على الفريق الطبي.
وفي كل زيارة، كان يحمل معه كيساً صغيراً من التمر أو الخبز الحار.
يقول:
أنتم أطعمتموني الأمل…
وأنا لا أملك إلا هذا.
في إحدى الأمسيات، كان جليل هاشم البكاء يجلس مع الدكتور خضير هزبر الأسدي، يسجل شهاداته عن تلك الأيام.
سأله:
ما أكثر موقف بقي في ذاكرتك؟
أطرق خضير طويلاً.
ثم قال:
ليست أصعب اللحظات هي التي يموت فيها المرضى…
بل تلك التي ترى فيها إنساناً يظن أنه أصبح عبئاً على الدنيا.
إذا استطعت أن تعيد إليه رغبته في الحياة…
فقد ربحت معركة أكبر من أي انتصار طبي.
دوّن جليل هذه الكلمات في دفتره.
لكنه لم يكتبها كجملة عابرة.
بل جعلها عنواناً لصفحة كاملة.
لأنه أدرك أن الطب، في تلك الأيام، لم يكن علماً فقط…
بل كان رحمة تمشي على قدمين.
وحين انتهت الجائحة، بقيت آلاف القصص حبيسة الجدران.
لكن قصة الرجل الذي بكى لأن طبيباً وضع يده على كتفه، بقيت تتردد في أروقة المستشفى.
لم تكن مصافحة طويلة.
ولم تُلتقط لها صورة.
ولم تكتب عنها صحيفة.
لكنها كانت، في ذاكرة الناصرية، آخر مصافحة هزمت خوف الوباء، وأثبتت أن الإنسان، مهما أحاطت به العزلة، يبقى محتاجاً إلى لمسة رحمة، قبل حاجته إلى أي دواء.
بقلم جليل هاشم البكاء




