الأربعاء - 07 اكتوبر 2026

لماذا يمنع الدستور الأمريكي حصر السلاح بيد الدولة ويجيز التسلح؟.. بوصلة المواقف..!

الأربعاء - 07 اكتوبر 2026

جليل هاشم البكاء ||

 

 

 

ثمة مفارقة تستحق التوقف عندها في السياسة الأمريكية: فالدستور الذي يحمي حق المواطن الأمريكي في امتلاك السلاح، ويمنع الدولة من انتهاك هذا الحق على نحو مطلق، تقف حكومته في الخارج داعيةً دولاً وجماعات إلى تقليص قدراتها المسلحة أو حصر السلاح بيد الدولة.

المسألة هنا ليست الاعتراض على مبدأ حصر السلاح بيد الدولة من حيث المبدأ؛ فهذا مبدأ يمكن أن يكون ضرورياً لبناء دولة مستقرة. وإنما السؤال هو: لماذا يصبح احتكار الدولة للسلاح قاعدةً واجبة على الآخرين، بينما لا تقبل الولايات المتحدة نفسها باحتكار الدولة المطلق للسلاح داخل مجتمعها؟

التعديل الثاني للدستور الأمريكي ينص على حماية حق الشعب في الاحتفاظ بالأسلحة وحملها. وقد فسرت المحكمة العليا هذا النص في قضية هيلر باعتباره حماية لحق فردي في امتلاك السلاح، مع الإقرار بإمكانية فرض بعض القيود عليه.

وهذا يكشف أن التصور الأمريكي للعلاقة بين المجتمع والسلاح لا يقوم على فكرة أن القوة المسلحة يجب أن تكون حكراً حصرياً على مؤسسات الدولة. بل إن النظام الدستوري نفسه يمنح المواطن مساحة محمية في هذا المجال.

لكن عندما ننتقل من الداخل الأمريكي إلى السياسة الدولية، يتغير الخطاب.

حين يصبح السلاح مسألة سيادة

من الطبيعي أن تسعى الدولة إلى ضبط القوة المسلحة داخل حدودها. فوجود جماعات مسلحة مستقلة عن مؤسسات الدولة يمكن أن يؤدي إلى تعدد مراكز القوة، ويضعف سلطة القانون، ويهدد احتكار الدولة المشروع للقوة.

لكن هذا المبدأ يفترض أن تكون الدولة نفسها صاحبة القرار في تحديد منظومتها الأمنية، وأن يكون تنظيم السلاح نتيجة عملية سياسية ودستورية داخلية، لا مجرد إملاء من قوة أجنبية.

وهنا تبدأ المشكلة.

فعندما تضغط الولايات المتحدة على دولة أخرى لكي تنزع سلاح قوة مسلحة موجودة على أرضها، لا يعود الأمر مجرد نقاش حول الأمن الداخلي. يصبح السؤال متعلقاً بالسيادة أيضاً: من يملك حق تحديد مصادر القوة داخل الدولة؟

إذا كان الجواب هو الدولة وشعبها ومؤسساتها الدستورية، فإن المبدأ واضح.

أما إذا أصبحت دولة أجنبية هي التي تحدد لمن يسمح بالسلاح، وما مقدار السلاح المسموح به، وأي قوة يجوز لها امتلاكه، فإن المسألة تنتقل من مفهوم بناء الدولة إلى مفهوم إدارة ميزان القوى من الخارج.

المقاومة ليست مجرد ميليشيا

وتزداد المسألة تعقيداً عندما يتعلق الأمر بقوة مسلحة نشأت في سياق احتلال أو صراع مع قوة خارجية.

فهنا لا يكفي وصفها بأنها ميليشيا ثم إنهاء النقاش. ينبغي النظر إلى طبيعة النزاع نفسه، وإلى القانون الدولي المنطبق عليه، وإلى علاقة تلك القوة بالدولة، وإلى أفعالها وسلوكها تجاه المدنيين.

فالخلط بين كل أشكال التنظيمات المسلحة يحجب السؤال الأساسي: هل نتحدث عن جماعة تسعى إلى فرض إرادتها على دولة مستقلة، أم عن قوة نشأت في سياق مقاومة احتلال أو عدوان خارجي، أم عن تشكيل أصبح جزءاً من منظومة الدولة؟

هذه الحالات ليست متطابقة قانونياً ولا سياسياً.

من العراق إلى إيران

العراق يقدم مثالاً على التعقيد الذي ينتج عندما تتداخل الدولة مع قوى مسلحة نشأت أصلاً في سياق مقاومة الاحتلال ثم أصبح بعضها مرتبطاً بمؤسسات الدولة أو بمنظومتها الأمنية.

لذلك فإن حصر السلاح بيد الدولة يمكن أن يكون مشروعاً عراقياً داخلياً، لكنه يصبح قضية مختلفة عندما يتحول إلى مطلب أمريكي مرتبط بمصالح واشنطن تجاه الفصائل المسلحة أو علاقتها بإيران.

وقد ظهرت بالفعل ضغوط أمريكية على بغداد في هذا الاتجاه، وسط جدل حول قدرة الحكومة العراقية على التعامل مع الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران.

أما إيران، فتقدم صورة أوسع للمشكلة. فالولايات المتحدة تضغط على طهران بشأن قدراتها العسكرية وبرامجها التسليحية، وتستخدم العقوبات للحد من حصولها على الأسلحة والمكونات المرتبطة بها.

ومن منظور واشنطن، يرتبط ذلك بالأمن الإقليمي ومنع انتشار قدرات ترى أنها تهدد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها.

لكن من منظور الدولة المستهدفة، يبرز سؤال مختلف:

إذا كان امتلاك القوة العسكرية جزءاً من مفهوم الأمن القومي الأمريكي، فلماذا لا يكون للدول الأخرى الحق نفسه في امتلاك قدرات تراها ضرورية لأمنها؟

ليس المقصود أن كل برنامج تسليح يصبح مشروعاً لمجرد أن الدولة تسميه دفاعاً عن النفس. كما أن امتلاك السلاح لا يمنح صاحبه تلقائياً حق استخدامه.

لكن المعيار ينبغي أن يكون قابلاً للتطبيق على الجميع.

المشكلة في ازدواجية المعيار

إذا كانت القاعدة هي أن السلاح خطر عندما يوجد خارج سيطرة الدولة، فيجب تفسير لماذا يُحمى حق الأفراد في السلاح دستورياً داخل الولايات المتحدة.

وإذا كانت القاعدة هي أن الدولة تحتاج إلى القوة العسكرية لحماية أمنها، فيجب تفسير لماذا يصبح تسلح دولة أخرى، بمجرد تعارضها مع واشنطن، قضية تستوجب الضغط والعقوبات وربما إجراءات أكثر شدة.

وإذا كان المعيار هو القانون الدولي، فينبغي تطبيقه على الدول والحلفاء والخصوم بالمعيار نفسه.

أما أن يصبح السلاح مشروعاً عندما يخدم توازن القوى الذي تريده الولايات المتحدة، ومرفوضاً عندما يغيّر هذا التوازن ضد مصالحها، فذلك يفتح الباب أمام اتهام السياسة الدولية بازدواجية المعايير.

وهنا تكمن المفارقة الحقيقية.

ليست القضية أن أمريكا وحدها تتسلح أو أن الآخرين ممنوعون من التسلح؛ فهذا تبسيط لا يعكس الواقع. القضية أن الدولة التي تعتبر حق امتلاك السلاح مبدأً دستورياً محمياً داخل حدودها، تمارس في الخارج سياسة تسعى إلى التأثير في قدرات دول وقوى أخرى المسلحة، وفقاً لحسابات الأمن والتحالف والمصلحة الأمريكية.

ومن حق الدول الأخرى عندئذ أن تطرح السؤال نفسه الذي يطرحه المواطن الأمريكي عندما يناقش حدود سلطة حكومته:

من يقرر مقدار القوة التي نحتاجها لحماية أنفسنا؟

إذا كانت الإجابة في الحالة الأمريكية هي الدستور والشعب والمؤسسات المنتخبة، فلماذا تصبح الإجابة في حالات أخرى هي الإرادة الأمريكية؟

فإن السؤال الذي يتجاوز قضية السلاح نفسها، ليصل إلى جوهر النظام الدولي: فهل توجد قواعد موحدة للأمن والسيادة، أم أن القواعد تتغير عندما يتغير موقع الدولة في ميزان القوة؟