الأربعاء - 07 اكتوبر 2026

الرجل الذي سبق سيارة الإسعاف.. من مجموعة: خط الصد الأول..لم يكن الليل في الناصرية يشبه أي ليل آخر..!

منذ أسبوع واحد
الأربعاء - 07 اكتوبر 2026

تأليف: جليل هاشم البكاء ||

 

 

 

كانت المدينة التي اعتادت أن تسهر على ضفاف الفرات قد أغلقت نوافذها مبكراً، وأصبحت أصوات سيارات الإسعاف هي الموسيقى الوحيدة التي تمزق سكون الأزقة. حتى الكلاب السائبة، التي كانت تملأ الليل نباحاً، بدت وكأنها أدركت أن عدواً لا يُرى يجوب الشوارع، فاختبأت في صمتها.

في مستشفى الإمام الحسين التعليمي، كانت الساعة تقترب من الواحدة بعد منتصف الليل.

وقف الدكتور مجيد موحان الحمامي أمام لوحة كبيرة عُلقت عليها أسماء المرضى، وقد غطتها علامات بالقلم الأحمر والأزرق والأسود. لم تعد الألوان تعني شيئاً، فالجميع كان في منطقة الخطر.

رفع سماعته الطبية عن عنقه، ومسح آثار الكمامة التي حفرت خطوطاً عميقة على وجهه.

لم ينم منذ أكثر من ثلاثين ساعة.

ولم يعد يتذكر متى تناول آخر وجبة طعام.

كان يريد فقط أن يجلس عشر دقائق.

عشر دقائق فقط…

لكن هاتفه الشخصي رن.

نظر إلى الشاشة.

رقم مجهول.

كاد يغلق الهاتف، إلا أن شيئاً داخله منعه.

جاءه صوت رجل يختنق بالبكاء.

دكتور… بالله عليك… أبي يموت.

حاول مجيد أن يحافظ على هدوئه.

أين سيارة الإسعاف؟

اتصلنا…

قالوا كل السيارات مشغولة…

وأبي لم يعد يستطيع التنفس.

ساد صمت قصير.

لم يكن الدكتور مجيد يفكر.

بل كان قلبه هو الذي يقرر.

التفت إلى زميله وقال:

إذا سأل عني أحد… قل له إنني ذهبت لأقاتل في جبهة أخرى.

فتح خزانة صغيرة داخل القسم.

أخرج أسطوانة أوكسجين متنقلة، وجهاز قياس الأوكسجين، وبعض الأدوية الضرورية.

حملها وحده.

ووضعها في صندوق سيارته الشخصية.

لم تكن تلك المهمة ضمن التعليمات.

ولم يصدر بها أمر إداري.

لكنها كانت صادرة من ضمير طبيب.

كانت شوارع الناصرية فارغة.

أعمدة الإنارة تبدو كأنها حراس متعبون.

المدينة كلها تحولت إلى مدينة أشباح.

وكانت سيارة الدكتور مجيد تشق السكون بسرعة، بينما صفارة سيارة الإسعاف غائبة هذه المرة.

وللمرة الأولى…

كان الطبيب هو سيارة الإسعاف.

وصل إلى البيت.

كان الباب مفتوحاً.

والرجل المسن ممدداً على فراش بسيط.

حوله زوجته، وابنه، وابنته الصغيرة التي لم تكن تفهم لماذا يبكي الكبار.

اقترب مجيد بسرعة.

قاس نسبة الأوكسجين.

كانت تهبط بصورة مرعبة.

ركب الأوكسجين فوراً.

بدأ يتحدث مع المريض بهدوء.

لا تخف…

اسمع صوتي فقط…

خذ نفساً عميقاً…

أنا هنا.

الغريب أن الرجل بدأ يهدأ.

لم يكن الأوكسجين وحده من أنقذه.

بل تلك الطمأنينة التي خرجت من صوت الطبيب.

بعد دقائق، بدأت الأرقام ترتفع ببطء.

نظر الابن إلى الجهاز.

ثم إلى الطبيب.

لم يصدق.

قال بصوت مرتجف:

رجع…

رجع يتنفس.

ابتسم مجيد.

وقال بهدوء:

بل لم يتوقف عن القتال.

بعد أن استقرت الحالة نسبياً، اتصل بمستشفى الإمام الحسين.

قال لهم:

جهزوا سريراً.

المريض سيصل بعد دقائق.

ثم التفت إلى العائلة.

لا تشكروني…

اشكروا الله.

وأخبروا والدكم عندما يتعافى أن لديه موعداً معي…

أريده أن يشرب الشاي في المستشفى.

ضحكت العائلة لأول مرة منذ أيام.

وكانت تلك الضحكة جزءاً من العلاج.

في طريق العودة، لم يشعر مجيد بالتعب.

كان يشعر بشيء آخر.

ذلك الشعور الذي لا يعرفه إلا الطبيب عندما ينتزع إنساناً من بين يدي الموت.

لكن فرحته لم تكتمل.

رن هاتفه مرة أخرى.

دكتور…

لدينا ثلاث حالات جديدة وصلت للتو.

أجاب وهو يضغط على المقود:

أنا في الطريق.

حين دخل المستشفى، كان الدكتور ضياء خلف العمري ينتظره عند الباب.

نظر إلى وجهه المغبر.

وإلى ملابسه التي امتلأت بآثار التعقيم والغبار.

ثم سأله:

أين كنت؟

ابتسم مجيد.

وقال:

كنت أسبق سيارة الإسعاف.

نظر إليه ضياء طويلاً.

ولم يقل شيئاً.

لكنه أدرك أن هذا الرجل لم يعد يعمل وفق ساعات الدوام، بل وفق نبضات قلوب المرضى.

بعد أيام، تحسن الرجل وغادر المستشفى.

وقبل أن يغادر، أصر على مقابلة الدكتور مجيد.

دخل عليه متكئاً على ابنه.

وقف أمامه صامتاً.

ثم أخرج من جيبه مسبحة قديمة.

قال:

هذه رافقتني ثلاثين سنة.

واليوم أريد أن تبقى معك.

رفض مجيد.

وقال مبتسماً:

احتفظ بها…

ستحتاجها أكثر مني.

أما أنا…

فأكتفي بأن أراك تمشي على قدميك.

—

بعد سنوات…

وبعد أن غاب الدكتور مجيد موحان الحمامي عن الدنيا، بقي ذلك الرجل يروي حكايته لكل من يسأله.

لم يكن يقول:

أنقذني طبيب.

بل كان يقول:

في ليلةٍ لم تجد المدينة فيها سيارة إسعاف، جاءني رجل سبقها جميعاً… فجاءت الحياة معه.

وحين جلس جليل هاشم البكاء بعد سنوات ليكتب هذه القصة، لم يبحث عن بطولة خارقة، ولم يفتش عن أسطورة.

كان يكتب عن حقيقة عاشتها الناصرية.

حقيقة تقول إن بعض الرجال لا تقاس عظمتهم بعدد السنوات التي عاشوها، بل بعدد الأرواح التي أعادوها إلى الحياة.

ولذلك، ظل اسم الدكتور مجيد موحان الحمامي محفوراً في ذاكرة المدينة، ليس لأنه كان طبيباً فحسب، بل لأنه كان، في أحلك ليالي الوباء، الرجل الذي سبق سيارة الإسعاف.

بقلم جليل هاشم البكاء