ثمن الكرامة: كيف أعاد الصمود اليماني رسم خرائط القوة والسيادة؟!
محمد علي اللوزي ||

يغضبون وينددون ويشجبون حينما يدافع اليمن عن نفسه، وحين يرد على التصعيد بالتصعيد، وحين يحاول كسر الحصار المفروض عليه وفرض معادلة حديدة تقول بوضوح ان الاعتداء لن يبقى بلارد، وتقوم قيامتهم حين تتعرض مواقع انطلاق الطائرات الحربية التي تقصف اليمن لهجوم يمني. حسنا، لنسأل يكل وضوح. اين كان هذا الغضب عندما كانت الغارات السعودية تمطر صنعاء وصعدة ومختلف المناطق اليمنية بالقنابل والصواريخ على مدى اعوام طويلة؟ اين كانت بيانات الادانة والاستنكار عندما كانت الاحياء السكنية والمنشآت المدنية والبنية التحتية تتعرص للقصف، وعندما كان اليمنيون يعيشون تحت سماء مفتوحة للطائرات الحربية، لا يعرفون متى تأتي الغارة ولا اين تسقط؟ لم تكن هذه الحساسية المفرطة حاضرة عندما كان القصف يطال البشر والحجر والشجر، وعندما دمرت المنشآت والمطارات والطرقات والجسور والمصانع والمزارع والمنازل، وتحوولت مناطق واسعة من اليمن الى مساحات مثقلة بالدمار والخراب العجيب القنبلة التي تسقط على اليمن تكون مقبولة ومرحب بها في منطق بعض الانظمة ، بينما تتحول القنبلة نفسها الى جريمة كبرى بمجرد ان يستخدمها اليمن في الرد على الجهة التي قصفت ارضه. كأن الدم اليمني اقل حرمة من الدم السعودي. و حياة اليمني ارخص من حياة غيره. وكأن الإنسانية مجزأة تختلف قيمتها بحسب الجنسية والثروة. ان المشكلة ليست في مبدأ رفض استهداف المدنيين او الاعتراض على الحرب، فهذا موقف انساني مشروع ينبغي ان يكون ثابتا تجاه الجميع، وانما المشكلة في هذا الكيل بمكيالين، وفي هذه الذاكرة الانتقائية التي تستيقظ عندما يصل الالم الى الطرف الذي اعتاد ان يمارسالقوة، بينما تصاب بالصمت عندما يكون الضحايا يمنيين. اذا كان القصف محرما ومدانا، فيجب ان يكون مدانا عندما تسقط الصواريخ على اليمن المظلوم والمعتدى عليه والمحتل ، واذا كانت حماية المدنيين قاعدة اخلاقية وقانونية، فهي لا تتجزأ بحسب هوية الضحية او المعتدي. لا يمكن ان تطالب اليمن بالصمت تحت القصف، ثم تغضب غندما يقرر الدفاع عن نفسه، ولا يمكن ان تطلب منه ان يقبل الحصار والضربات الجوية والتهديد المستمر وكأن عليه ان يمد عنقه للضربة التالية ثم يمنع عليه الرد. لقد دفعت اليمن ثمنا باهظا من دماء ابنائها ومن امنها واقتصادها وبنيتها التحتية، لكنها لم تدفع هذه التضحيات ثمنا للاستسلام، بل كتبت بدماء ابنائها معنى الحرية والسيادة والاستقلال، ورسخت في وعي شعبها ان الوطن لا يمنح لمن يفرض الوصاية عليه، وان السيادة لا تكون سيادة حقيقية اذا كانت مرهونة بارادة الخارج. وكلما ازدادت التضحيات، ازداد معها ايمان اليمنيين بحقهم في الحياة والكرامة والاستقلال، وازدادت ثقتهم بان ما تحملوه لم يكن عبثا بل نهج إيماني وثقة بالله في نصره كبلد معتدى عليه، وان الطريق الذي اختاروه لن يكون طريقا للعودة الى الوراء. اليمن التي دفعت كل هذا الثمن لا يمكن ان يطلب منها اليوم ان تنسى ماحدث، او ان تتصرف وكأن سنوات القصف والحصار لم تكن موخودة، او ان تتخلى عن حقها في الدفاع عن ارضها وسيادتها. لقد تغيرت معادلات كثيرة، وما كان ممكنا فرضه بالقوة في سنوات سابقة لم يعد بالضرورة قابلا للفرض بالقوة اليوم، لان الشعوب حين تدفع ثمنا كبيرا من اجل حريتها لا تعود كما كانتقبل التضحيات. واليمن اليوم ليست اليمن التي يمكن تهديدها بمجرد التلويح بالقوة، فقد صنعت من آلامها وعيا، ومن صمودها ثقة، ومن تضحياتها ارادة، ومن سنوات الحرب قناعة راسخة بان السيادة لا تحمى بالبيانات والخطابات وانما بارادة وطنية ترفض الخضوع والهيمنة . وإذا فمعادلة التصعيد بالتصعيد ليست دعوة الى الحرب من اجل الحرب، وانما تعبير عن حقيقة سياسية مفادها ان استمرار الضغط على اليمن لن يؤدي بالضرورة الى استسلامه، وان من يريد الامن لا يستطيع ان يبني امنه على خوف الآخرين ودمائهم. لقد آن الاوان للتوقف عن النظر الى اليمن باعتباره الطرف الذي يجب عليه دائما ان يتلقى الضربات ويتحمل الحصار ويقدم التنازلات، ثم يطلب منه عندما يرد ان يلتزم بضبط النفس وكأن ضبطالنفس حق حصري لمن يملك القوة، وليس حقا وواجبا على الجميع. اليمنيون بشر مثل غيرهم، لهم ارواح وكرامة وبيوت واطفال وحق في الحياة والامن والسيدة الوطنية، وارواحهم ليست اقل قيمة، ودماؤهم ليست اقل حرمة، وارضهم ليست ساحة مباحة للقصف متى قرر الآخرون ذلك. واليمن التي كتبت بالدم صفحات حريتها وسيادتها واستقلالها لن تقبل ان تمحى هذه الصفحات بالتهديد او الابتزاز او الضغوط والتحالفات القائمة على المغرى المالي وشراء الذمم والمباديء، واليمن لن تتراجع الى الوراء بعد كل ما قدمته من تضحيات. ومن يريد ان يوقف دوامة التصعيدعليه ان يبدأ من اصل المشكلة..
وقف العدوان والضغط والحصار والتهديد، لا مطالبة الضحية وحدها بالصمت كلما حاولت ان تقول ان للصبر حدودا وان للعدوان ثمنا. فالمعيار الحقيقي للعدالة ليس ان تدين الضربة عندما تقع على حليفك وتصمت عنها عندما تقع على خصمك، بل ان ترفض الظلم ايا كان مصدره، وتحترم حياة الانسان ايا كانت جنسيته، وتدرك ان السلام الحقيقي لا يبنى بمنح طرف حق القصف ومنح الطرف الآخر حق الشجب فقط وانتضار الفرج نن عدوان ارعن لايرقب في مسلم إلا ولاذمة، وانما بانهاء اسباب الحرب والهيمنة والاعتداء، والاعتراف بان اليمني، مثل السعودي وغيره، انسان له كامل الحق في الحياة والكرامة والامن، وان شعبا دفع كل هذه التضحيات من اجل حريته لن يتخلى عن حقه في ان يعيش حرا سيدا مستقلا، ولن يقبل ان يعاد الى النقطة التي بدأ منها، مهما ارتفعت الضغوط ومهما اشتدت التهديدات.هذا مايجب أن يستوعبه صانع عاصفة الحزم بغروره وصلفه وتجرده من المباديء والقيم وحق الاخ على أخيه واحترام حق الجوار. انطلاقة عاصفة الحزم لم تكن سوى كبر وبلطجة سعودية واستعراض قبيح للقوة لسلب اليمن امنه واستقراره وسيادته. اولى للرياض اليوم ان تزيل الغشاوة من عينيها وتخضع لمنطق السلام العادل والشامل والمتكافيء وتراجع حساباتها وتدرك ان ماكان بالأمس مباحا لها هو اليوم عبئا ثقيلا عليها
بدون هذا ليس غير( الملطام الاشول) واستعادة كامل التراب اليمني بخارطته القديمة وماقضمه النظام السعودي من أراض يمنية شاسعة. لقد بداء العدوان وعليه ان يتحمل نتائجه.




