الخميس - 17 سبتمبر 2026

العراق والنظام الأمني الجديد في الشرق الأوسط..!

منذ 11 ساعة
الخميس - 17 سبتمبر 2026

مظهر الغيثي ||

 

 

كيف ينتقل العراق من ساحة للتوازنات إلى دولة فاعلة في النظام الإقليمي الجديد؟
لم تعد حرب عام 2026 مجرد مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ولم يعد السؤال الحقيقي هو من حقق تفوقًا عسكريًا في هذه الجولة.
السؤال الأهم هو: ماذا بقي من النظام الأمني الذي حكم الشرق الأوسط لعقود، وماذا يعني انهياره بالنسبة للعراق؟
فالحرب كشفت أن النظام الذي قام منذ عقود على افتراض قدرة الولايات المتحدة على حماية الخليج واحتواء إيران لم يعد يعمل بالطريقة نفسها. وفي المقابل، فإن هذا لا يعني أن إيران أصبحت القوة المهيمنة على المنطقة، كما لا يعني أن الولايات المتحدة خرجت منها، وإنما يعني أننا أمام مرحلة انتقالية ستتداخل فيها المصالح الأمريكية والإيرانية والتركية والسعودية والصينية والباكستانية والأوروبية، مع صعود أدوار إقليمية جديدة.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية العراق.
فالعراق ليس دولة هامشية في هذه المعادلة، بل يقع في قلبها الجغرافي والسياسي والاقتصادي. فهو بين إيران والخليج وتركيا وسوريا والأردن، ويمتلك موارد طاقة ضخمة، ويطل على الخليج، ويمثل أحد أهم الممرات البرية بين الشرق والغرب.
لكن المشكلة أن العراق دخل هذه المرحلة الجديدة وهو يحمل نقاط ضعف كبيرة؛ فأمنه الداخلي مرتبط بتوازنات إقليمية، واقتصاده شديد الاعتماد على النفط، وجزء كبير من صادراته النفطية يمر عبر مضيق هرمز.
وقد أظهرت أزمة المضيق حجم هذه الهشاشة بوضوح. فوكالة الطاقة الدولية تشير إلى أن العراق من الدول التي تعتمد على المضيق في تمرير الجزء الأكبر من صادراتها النفطية، بينما كشفت الأزمة الأخيرة أن أي اضطراب طويل في هرمز يمكن أن يتحول سريعًا إلى أزمة مالية عراقية.
وهنا يجب أن يبدأ التفكير العراقي الجديد.
أولًا: لا ينبغي للعراق أن يختار بين أمريكا وإيران
أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه العراق في المرحلة المقبلة هو أن يتعامل مع التحول الإقليمي باعتباره سؤالًا من نوع:
هل نكون مع الولايات المتحدة أم مع إيران؟
هذا السؤال لم يعد كافيًا.
فالنظام الجديد لن يكون ثنائي القطبية كما كان في مراحل سابقة، ولن يكون من مصلحة العراق أن ينتقل من التبعية لمحور إلى التبعية لمحور آخر.
المطلوب هو سياسة مصالح عراقية مستقلة.
العراق يستطيع أن يحتفظ بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة، وأن يحافظ في الوقت نفسه على علاقات طبيعية ومتوازنة مع إيران وتركيا والسعودية والصين وأوروبا.
لكن ذلك يتطلب قاعدة واضحة:
العراق لا يسمح باستخدام أراضيه أو أجوائه أو مياهه أو مؤسساته لضرب دولة أخرى، وفي الوقت نفسه لا يسمح لأي دولة بأن تجعل أمن العراق رهينة لصراعاتها مع دولة ثالثة.
هذه ليست سياسة حياد سلبي.
إنها سياسة سيادة نشطة.
ثانيًا: إيران قوية، لكنها ليست صاحبة النظام الجديد
من الخطأ قراءة نتائج الحرب باعتبارها انتصارًا إيرانيًا نهائيًا.
نعم، أثبتت إيران قدرتها على تحمل ضربة كبرى، وعلى إيقاع كلفة مرتفعة بالخصوم، وعلى استخدام الجغرافيا والطاقة والممرات البحرية باعتبارها أدوات قوة.
لكن النظام المتعدد الأقطاب الذي قد ينشأ بعد تراجع الاحتكار الأمريكي لا يعني بالضرورة نظامًا يخدم إيران.
فتركيا لها مشروعها ومصالحها.
والسعودية تسعى إلى بناء منظومة أمنية أكثر استقلالًا.
وباكستان بدأت تتحرك في اتجاه ترتيبات أمنية جديدة مع السعودية وتركيا.
والصين تريد استقرار التجارة والطاقة، لا أن تصبح المنطقة رهينة لصراع إيراني أمريكي دائم.
وحتى روسيا وأوروبا لديهما حساباتهما الخاصة.
لذلك فإن النتيجة الأكثر دقة ليست أن إيران أصبحت مهيمنة، وإنما أن هامش المناورة الإيراني اتسع في نظام أصبح أكثر تعددية وأقل قابلية للسيطرة من قوة واحدة.
وهذا فرق جوهري.
ثالثًا: العراق يجب أن يتحول من «دولة عازلة» إلى «دولة محور»
لعقود طويلة كان العراق يُنظر إليه باعتباره منطقة فاصلة بين مشاريع إقليمية متنافسة.
لكن موقع العراق يسمح له بأن يكون شيئًا أكبر من ذلك.
العراق يمكن أن يصبح:
محورًا للطاقة والتجارة والنقل والأمن الإقليمي.
فموقعه يربط الخليج بتركيا، والخليج ببلاد الشام، وإيران بالبحر المتوسط، وآسيا بأوروبا.
وهنا يجب أن تتحول الجغرافيا العراقية من عبء إلى قوة.
بدل أن يكون السؤال:
كيف نحمي العراق من الصراع الإقليمي؟
يجب أن يصبح:
كيف نجعل استقرار العراق مصلحة مشتركة لجميع الأطراف؟
هذه هي المعادلة التي تمنح العراق قوة حقيقية.
فإذا أصبح العراق ممرًا مهمًا للطاقة والتجارة والنقل، فإن استقراره لن يصبح مصلحة عراقية فقط، بل مصلحة تركية وخليجية وإيرانية وأوروبية وصينية أيضًا.
وعندها يصبح المساس باستقرار العراق مكلفًا للجميع.
رابعًا: أمن الطاقة يجب أن يصبح جزءًا من الأمن القومي العراقي
كشفت أزمة هرمز أن الاعتماد على منفذ واحد لتصدير الثروة النفطية ليس مجرد مشكلة اقتصادية، وإنما ثغرة في الأمن القومي.
وتشير دراسات حديثة إلى أن العراق اضطر بعد أزمة هرمز إلى البحث بصورة عاجلة عن مسارات عبر تركيا وسوريا وغيرها، لأن البنية الحالية لا تستطيع تعويض صادرات الجنوب بسرعة.
وهنا يجب ألا تكون الاستجابة العراقية مجرد معالجة مؤقتة.
يجب أن تكون هناك خطة وطنية لتنويع منافذ تصدير الطاقة.
وتشمل:
ربط الجنوب بالشمال.
تطوير قدرات النقل عبر تركيا.
دراسة المسارات السورية والأردنية والسعودية.
زيادة طاقات التخزين.
تطوير الموانئ العراقية.
إنشاء منظومة احتياط استراتيجية للنفط والمشتقات.
وحماية خطوط الأنابيب والمنشآت النفطية باعتبارها منشآت أمن قومي.
والأهم أن لا يبقى أي منفذ أو خط أنابيب رهينة لقرار سياسي لدولة أخرى.
فالعراق الذي يعتمد اقتصاديًا على منفذ واحد يمكن أن يتعرض لضغط استراتيجي حتى من دون إطلاق رصاصة واحدة.
خامسًا: يجب أن يتغير مفهوم الأمن العراقي
الأمن لم يعد يعني فقط حماية الحدود ومنع الإرهاب.
الحرب الأخيرة أثبتت أن:
الميناء أمن.
الطريق التجاري أمن.
خط الأنابيب أمن.
المطار أمن.
محطات الطاقة أمن.
شبكات الاتصالات أمن.
البيانات أمن.
وسلاسل الإمداد أمن قومي.
ولهذا فإن العراق يحتاج إلى مفهوم شامل للأمن القومي يجمع الأمن العسكري والاستخباري والاقتصادي والطاقة والسيبراني والغذائي واللوجستي.
وهنا تصبح مراكز التحليل الاستراتيجي والاستخباري أكثر أهمية من أي وقت مضى؛ لأن الدولة لا تستطيع إدارة نظام إقليمي متغير بعقلية رد الفعل.
يجب أن تعرف بغداد قبل وقوع الأزمة:
من سيخسر؟
من سيستفيد؟
ما البدائل؟
ما نقاط الاختناق؟
وما السيناريو الذي يجب الاستعداد له؟
سادسًا: السلاح خارج القرار الوطني أخطر في النظام الجديد
هذه النقطة لا يمكن فصلها عن التحول الإقليمي.
عندما تكون المنطقة في حالة تعددية قطبية وصراعات مفتوحة، فإن وجود قوى مسلحة تستطيع اتخاذ قرار الحرب والسلم بصورة مستقلة عن الدولة يجعل العراق أكثر عرضة لأن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات.
وقد ظهر ذلك بصورة واضحة في التطورات الأخيرة، حيث أصبح العراق تحت ضغط متزايد بسبب الهجمات التي انطلقت من أراضيه واستهدفت دولًا ومصالح إقليمية.
لذلك فإن حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة ليس مطلبًا سياسيًا داخليًا فقط.
إنه شرط للأمن القومي العراقي ولعلاقات العراق الخارجية.
الدولة التي لا تستطيع أن تضمن أن أراضيها لن تستخدم للهجوم على جيرانها ستجد صعوبة في إقناع هؤلاء الجيران بأنها شريك أمني موثوق.
سابعًا: لا ينبغي للعراق أن يخاف من صعود تركيا والسعودية
ينبغي النظر إلى التحولات السعودية والتركية والباكستانية بعقل الدولة لا بعقل المحاور.
صعود هذه الدول لا يعني بالضرورة تراجع العراق.
بل يمكن أن يكون فرصة.
إذا كانت السعودية تبحث عن أمن إقليمي أكثر استقلالًا، وتركيا تريد توسيع نفوذها الاقتصادي والأمني، والصين تبحث عن طرق آمنة للطاقة والتجارة، فإن العراق يستطيع أن يجعل موقعه جزءًا من هذه المصالح.
العراق ليس مضطرًا إلى الدخول في تحالف ضد إيران أو تحالف ضد تركيا أو تحالف ضد السعودية.
بل يمكن أن يكون جسرًا بين الجميع.
وهذه هي القيمة الحقيقية للجغرافيا العراقية.
ثامنًا: الصين فرصة ولكن لا ينبغي تحويلها إلى بديل عن أمريكا
من الخطأ أيضًا أن يقرأ العراق صعود الصين باعتباره انتقالًا من مظلة أمريكية إلى مظلة صينية.
الصين لن تأتي لتحل محل الولايات المتحدة في حماية العراق.
هي تبحث عن الطاقة والأسواق والاستقرار والموانئ والطرق التجارية.
ولهذا يجب أن تكون العلاقة معها قائمة على المصالح الاقتصادية والاستثمارية والتكنولوجية، لا على نقل التبعية من قوة إلى أخرى.
والأمر نفسه ينطبق على أوروبا.
فأوروبا تحتاج إلى الطاقة والأسواق والممرات الآمنة، والعراق يستطيع أن يوظف هذه الحاجة لبناء شراكات طويلة الأمد.
تاسعًا: العراق يحتاج إلى عقيدة توازن جديدة
العراق بحاجة إلى الانتقال من سياسة:
التوازن بين الأطراف
إلى:
التوازن بالمصالح.
التوازن بين الأطراف يعني أن العراق يحاول ألا يغضب هذا الطرف أو ذاك.
أما التوازن بالمصالح فيعني أن العراق يسأل:
ماذا أريد أنا؟
ما مصلحتي؟
ما الذي أستطيع تقديمه؟
وما الثمن الذي أطلبه مقابل ذلك؟
وهذه نقلة مهمة في التفكير الاستراتيجي.
فالعراق لا ينبغي أن يكون تابعًا لمحور، ولا خصمًا لمحور، ولا ساحة لتنافس المحاور.
بل ينبغي أن يكون دولة ذات مصالح واضحة تتعامل مع جميع المحاور وفق هذه المصالح.
عاشرًا: الفراغ الأمريكي ليس فراغًا يجب أن تخشاه بغداد
إذا تراجع الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، فإن السؤال ليس:
من سيملأ الفراغ؟
بل:
هل يستطيع العراق أن يمنع تحول أراضيه إلى ساحة لملء هذا الفراغ؟
وهنا تكمن أهمية بناء القدرات الوطنية.
العراق يحتاج إلى:
قوات مسلحة قادرة.
دفاع جوي حديث.
قدرات استخبارية وتحليلية متقدمة.
أمن سيبراني.
أمن حدود.
قدرات بحرية مناسبة لحماية مياهه وموانئه.
وقدرة على حماية البنية التحتية الحيوية.
والأهم من ذلك كله:
قرار سياسي موحد.
لأن أقوى جيش لا يستطيع حماية دولة إذا كان قرارها الاستراتيجي منقسمًا.
العراق أمام فرصة تاريخية
قد يبدو النظام الجديد أكثر خطورة من النظام القديم، وهذا صحيح.
لكن كل تحول استراتيجي يحمل فرصة.
لقد كان العراق في العقود الماضية متلقيًا للقرارات الإقليمية والدولية أكثر مما كان صانعًا لها.
أما الآن، ومع تراجع قدرة قوة واحدة على فرض نظام أمني منفرد، فإن مساحة الحركة أمام الدول المتوسطة تكبر.
وهنا يمكن للعراق أن يستعيد دوره.
ليس عبر الدخول في حرب جديدة.
ولا عبر بناء محور جديد.
ولا عبر معاداة الولايات المتحدة.
ولا عبر مواجهة إيران.
ولا عبر الارتماء في أحضان تركيا أو الخليج أو الصين.
بل عبر بناء دولة قوية، مستقلة القرار، متعددة العلاقات، واضحة المصالح.
فالعراق يستطيع أن يكون نقطة التقاء لا نقطة صدام.
وممرًا للتجارة لا ممرًا للصواريخ.
ومصدرًا للطاقة لا هدفًا لمنشآتها.
وشريكًا أمنيًا لا ساحة حرب.
وهذا يتطلب أن تنظر بغداد إلى المرحلة القادمة باعتبارها مرحلة إعادة تعريف لموقع العراق في الشرق الأوسط.
الرسالة
الحرب الأخيرة لم تُسقط إيران، لكنها كشفت حدود القوة الأمريكية.
ولم تجعل إيران قوة مهيمنة، لكنها وسعت هامش مناورتها.
ولم تُخرج أمريكا من الشرق الأوسط، لكنها جعلت وجودها أقل قدرة على احتكار النظام الأمني.
وفي المقابل، بدأت قوى أخرى، خصوصًا تركيا والسعودية وباكستان والصين، تتحرك لبناء مواقعها في النظام الجديد.
أما العراق، فهو أمام خيارين:
إما أن يبقى ساحة تتصارع فيها مشاريع الآخرين،
وإما أن يتحول إلى دولة تمتلك مشروعها الوطني وتستثمر موقعها الجغرافي وثروتها وطاقتها البشرية لتصبح طرفًا في صناعة النظام الإقليمي الجديد.
والخيار الثاني ليس ترفًا سياسيًا.
إنه، في المرحلة المقبلة، شرط من شروط الأمن القومي العراقي.